فهرس الكتاب
نكباتنا المستقبلية في صورة المنظور الشامل، ثم لا نهتم بها ما دمنا نعدها خيوطا عرضية طارئة في صورة الحياة الكاملة.
وما معنى هذه الصورة؟ وحدة العالم المقدسة. فلأننا سجناء حواسنا البدنية ترانا لا ندرك إلا أجزاء عرضية من الكل المقدس. ومع ذلك فإن هذه اللمحات المشرقة عند سبينوزا تبين بينا كافيًا أن كل واحد منا جزء محدود من الله - خلية في جسم الله، فكرة في عقله، مقطع في قصيدته عن الحياة. فالشخص الأعشى لا يميز إلا بعض ألوان غير واضحة. وكذلك حواسنا مصابة بعمى الألوان أمام صفات الله المتعددة وصفاتنا. والدودة التي تقيم في حفرة في الأرض ليس لديها إلا فكرة لامتناهية في الصغر عن العالم الشاسع الذي هي جزء منه. وكذلك نحن ليس لنا إلا وجهة نظر الدودة إلى العالم. ويؤكد سبينوزا أن أعظم فيلسوف إن هو إلا طفل في إدراكه وفهمه لطبيعة الله الحالة في كل شيء. وهنا يردد سبينوزا صدى فكرة أخناتون.
ولحسن الحظ أن فيلسوفنا قد لمح قبسا من الصورة - فهو يعرف أنه يجب ألا يخلط ذكاءه المحدود الضئيل بذكاء الله الذي لا حدود له. فالعالم لا يسير تبعًا لرغباتنا الفردية، وإنما يدبر طبقا لإرادة الله الشاملة ورسمه."ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك". فالقصة التي أدمجها الله في تمثيلية حيواتنا البشرية بعيدة كل البعد عن إدراكنا، ويكفي أن نعرف أن هذه القصة مشهد أساسي لازم في تمثيلية الحياة البشرية. وليس لنا أن نحكم عليها، إذ أنها لم تكتب لتحقيق خططنا البشرية الأنانية. كما أن عقلنا البشري ليس في استطاعته أن يتفهم التمثيلية كلها.