فهرس الكتاب
وهكذا نجد أن الإنسان المتحرر حقًّا - أي الإنسان الحكيم حقًّا -"لا يحب لنفسه إلا ما يحب بقية الجنس البشري".
وما إن قدم سبينوزا فلسفته إلى العالم حتى هاجمته الدوائر المتمسكة بالقديم واعتبرته"أكثر من ظهر من الملحدين كفرًا". وبالرغم من ذلك ارتفعت بعض الأصوات التي تؤيده هنا وهناك. فتقدم إليه أحد المعجبين، سيمون دي فريز، وكان من أثرياء التجار في أمستردام، بمنحة مقدارها 1000 دولار. ولكن سبينوزا رفضها بإباء. كما منحه الملك لويس الرابع عشر إشارة منه بالتقدير والإطراء الزائد له. فقد كان ملك فرنسا يتوق إلى شراء أعظم عقليات عصره وضمها إلى جانبه فوعد سبينوزا بدخل عريض طوال حياته، ولم يكن للملك غير شرط واحد هو أن يهدي سبينوزا كتابه التالي إلى الملك. وللمرة الثانية رفض الفيلسوف العرض.
وبعدئذ في عام 1673 عرض عليه أيضًا أن يكون أستاذ الفلسفة في جامعة هيدلبرج، وأكد له نائب الحاكم في ألمانيا أنه سيكون له حرية رأي مطلقة في قاعات الدرس على شريطة أن يبتعد عن نقد الدين القائم في الدولة. ولكنه مرة أخرى اعتذر عن قبول العرض في أدب جم."فالرجل الحر سيد نفسه، وليس خادم أحد". وكان الرأي الذي استقر عليه هو أن يعبر عما يجول بخاطره من غير ما أمر أو مِنَّة من أحد.
وهكذا ظل وحيدا في غرفة السطح يبعث بعدساته لإصلاح البصر، وبآرائه لإنارة بصيرة إخوته في البشرية. وكان لا يتأثر ألبتة بذم أو إطراء أو تهديد. فقد حدث مرة أن كاد جماعة من الدهماء الساخطين يفتكون به؛ إذ كان قد أرسل في دعوته الأمير دي كونديه، الذي غزا هولندا في ذلك الوقت، ليتحدث