فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 440

ولكي يظهر احتقاره للعرف السائد قرر عام 1745 أن يحيا حياة منزلية مستقرة لا تقوم على زواج رسمي. فعاشر تيريز دي فاسير معاشرة الأزواج، ولم تكن إلا خادمة في الفندق الذي كان ينزل به في باريس. وعاش معها بقية حياته عيشا فيه الدوام، وإن أعوزه الإخلاص، وأنجب منها خمسة أطفال أودعهم ملجأ اللقطاء بعد ولادتهم مباشرة.

ولا يدري أحد ما الذي اكتشفه في عشيقته حتى تعلق بها؛ فقد كانت امرأة قذرة، قبيحة الوجه جاهلة. علمها كيف ترسم اسمها بصعوبة، أما فيما عدا ذلك فلم تكن تقرأ أو تكتب شيئا. بل يقال إنها لم تكن تستطيع أن تذكر أسماء الشهور، أو تجمع أبسط العمليات الحسابية.

أما أخلاقها فكانت وضيعة كعقليتها. إذ كانت تشرب الخمر، وتكذب، وتخدع، وتسرق، وتلاحق الشباب الذين يقومون على خدمة الخيل. وتقول في ذلك:"إنني أستحسنهم لأنهم من طبقتي وشاكلتي". ولعل ما دفع روسو للتعلق بها كان الإشفاق لا الحب. فقد كان يتميز بشعور الأخوة الإنساني نحو المكروبين والمحرومين.

وعلى أية حال فقد احتمل روسو العيش مع هذه المرأة"الجلفة الساذجة"، إذ كانت رغم كل صفاتها الأخرى المثل الأعلى لحلمه الفلسفي - وهو حلم إنسان حوشي لا يكون في وسعه أن يفكر في الشر لأنه ليس في وسعه أن يفكر على الإطلاق، فبالرغم من أنها كانت غير مخلصة وغير أمينة وغير مهذبة إلا أنها كانت"ابنة الطبيعة غير المدللة"التي تقوم على خدمته وإنجاز مطالبه وتهيىء له الفرصة لكي ينضج فكره الفلسفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت