فهرس الكتاب
ولم يكن روسو قد بلغ الأربعين من عمره عندما بدأ يشتغل بالفلسفة. فقد أجرت أكاديمية ديجون مسابقة وأعدت جائزة للفائز بأحسن رسالة في موضوع:"هل عادت العلوم والفنون بفائدة على الجنس البشري؟"، وكان أن تناول في مقاله الجانب السلبي من الموضوع وظفر بالجائزة. ولما لاقاه من إهانات على أيدي صفوة المتعلمين، أكد في رسالته أن الثقافة أقرب إلى الشر منها إلى الخير. وكتب أن كثيرا من مظالم الدنيا ترجع إلى أننا نسمح للعقل أن يتقدم القلب ويسبقه. وكلما ازداد علمنا ومعرفتنا بالدنيا ازداد تعطشنا إلى امتلاكها. ولذا نجد أن طموح الطبقات المتعلمة يدفعها إلى استعباد جماهير الشعب الجاهلة.
وقد كان للشهرة التي نالها بعد نشر هذه الرسالة أثرها الذي جعل منه رجلا رزينا رشيدا. فاعتزل المجتمع، واتخذ من الحياة البسيطة منهجا له، وباع ساعته، وقال في ذلك:"إنني لن أكون بعد هذا عبدًا للوقت".
وكتب رسالة ثانية - في عدم المساواة - فصل فيها الآراء التي جاءت في الرسالة الأولى، إذ قال:"إن الإنسان خيِّر بطعه. ولكن بيئته غير الطبيعية وحدها هي التي تجعل منه شريرا"وأرذل الشرور في هذه البيئة غير الطبيعية هي الملكية الخاصة."فأول إنسان سَوَّر قطعة من الأرض وحدثته نفسه ليقول:"هذه الأرض ملكي". ثم وجد أن الناس بلغوا من البساطة والسذاجة حدا صدقوا معه قوله - هذا الإنسان هو مؤسس كل حكومة جائرة".
وصرح روسو أن العلاج الوحيد لهذا"الشر"ينحصر في"التخلي عن المدنية". فالناس جميعهم خيرون إذا تركوا على سجيتهم الأولى. فأعط المتوحش شيئًا يسد به رمقه، ولن تجد منه إلا صديقا لجميع أقرانه المتوحشين