وخلال ضباب هذه القصص الأسطورية يمكننا أن نمسك بشعاع واحد من الحقيقة؛ ذلك أنه يبدو أن زرادشت كان طفلا نشطًا كثير الأذى، ولكنه استطاع أن يتخلص من هذا السوء بطريقة معجزة.
ولما كان في السابعة من عمره ترك في رعاية عدد من الحكماء الذين علموه سبيل التقوى.
وكما جاء على لسان بعض العلماء الأقدمين، كان الحكماء المصريون والأنبياء العبرانيون ممن اشتركوا في تربيته وتعليمه. وكذلك يمكن أن يكون هناك ظل من الحقيقة في هذا الخليط من الخرافات، وذلك أن حكمة زرادشت لابد أن تكون قد تأثرت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بوحي أفكار اخناتون والفلاسفة الشرقيين الآخرين.
وكان على أساتذته، كما وصل إلى علمنا، أن يؤدوا واجبًا مزدوجًا: فقد أنقذوا جسمه من الأشواك السامة، كما حفظوا عقله من أكاذيب أرواح الشر المسمومة. ولما بلغ الخامسة عشرة من عمره أتم تعليمه وأصبح آنئذ مهيأ لأن يأخذ على عاتقه"تسطير الحكمة ولبوس الدين".
وللخمس عشرة سنة التالية. أخذ يهذب شخصيته ويصفيها في"مياه الرحمة المقدسة". وإذا ما ترجمنا هذا في أسلوب بسيط وعبارة عادية أمكننا أن نقول إنه كرس نفسه للخدمة
الاجتماعية"فقام على خدمة المرضى، وأطعم الجياع، وأراح المسنين، وخفف من أحمال دواب الحمل، وذلل العقبات التي تعترض حياة رفاقه في رحلتهم على الأرض". وفي عبارة أخرى فقد درس دراسات عليا في علم"الحياة التي تقوم على الخدمات المتبادلة".