فهرس الكتاب
وعندما وصل فولتير إلى إنجلترا كان عمره اثنتين وثلاثين سنة. وكان من السهل عليه أن يتقن اللغة الإنجليزية. ولكنه احتفظ بلكنته الفرنسية وأزيائه الفرنسية كذلك. وذات يوم سخر منه جمهور من الغوغاء بسبب زيه الغريب، ولكنه عرف كيف يسيطر على الموقف. فاعتلى مقعدًا وصاح فيهم قائلا:"أيها الأصدقاء الأعزاء. إنني أرجوكم أن تتحملوني. أليس من سوء طالعي من البداية أنني قد ولدت فرنسيا بدلا من أولد إنجليزيا؟"فما إن انتهى من إلقاء هذه الملحمة حتى انقلبت سخرية الدهماء إلى هتاف.
وأحب فولتير إنجلترا، وبخاصة ما تتميز به من حرية الرأي واليقظة الذهبية، وكان هذا بعد انقضاء أربعين سنة تقريبًا على الثورة الإنجليزية التي نشبت عام 1688. وكتب في هذا الصدد يقول:"إن الإنجليز شعب متحضر ... فمنذ مدة ليست طويلة أخذت جماعة من المشاهير تبحث عن إجابة لهذا السؤال: من هو الرجل الأعظم: قيصر، أم الإسكندر، أم تيمور لنك، أم كرومويل؟ فكان أن أجاب أحدهم بأن أعظم رجل هو إسحق نيوتن. وكان المجيب على صواب، إذ نحن مدينون لنيوتن بالولاء، فهو الذي سيطر على عقولنا بقوة الحق، أما أولئك الآخرون فقد استعبدوا عقولنا بالقوة والعنف".
ومكث في إنجلترا ثلاث سنوات وسجل انطباعاته عن ذلك القطر في سلسلة من"الرسائل الفلسفية". وكانت هذه الرسائل التي فرقت بين"حرية"الإنجليز و"استرقاق"الفرنسيين شرارة من أوائل الشرر الذي ألهب نار الثورة الفرنسية.