فهرس الكتاب
كيموي كانا قد بنياه في سيري. كما كانا يؤويان النفوس الثائرة، ويقدمان التمثيليات الخاصة التي يشهدها ألمع النظارة في فرنسا وأشهرهم، ويقيمان حفلات العشاء الفاخرة التي تفوح بعبير المساجلات في الشعر والعلوم والفلسفة والسياسة والموسيقى والفن.
وفي سيري بدأت قريحة فولتير تفيض بسلسل أصيل صحيح من القصص الفلسفية التي كانت كل منها درة من الحكمة في إطار من الذكاء. وقد دبج يراعه ما يقرب من مائة مجلد، وهو عدد إن أدهشنا بكثرته، فلعل مستوى هذا الإنتاج من حيث الكيف أن يكون أبلغ.
وكان يعمل من غير ما توقف أو انقطاع كأنما كان يحيا على زمن مستعار."فعلينا أن نغذي اللهب الذي استودعنا الله إياه قبل أن تنطفىء جذوته". وكان يبلغ إنتاجه في بعض الأحيان ما يقرب من خمسة عشر ألف كلمة يوميًّا. وفي المساء كان يقرأ ما يخطه بالنهار على أصدقائه.
ولنأخذ مكاننا في سيري لنستمع إلى إحدى تلك القراءات. ولنرقب الفيلسوف النحيل الجسم الذي يفيض حيوية، ووجهه الشاحب المكدود، وزاويتي فمه المنحرفتين إلى أعلى بشكل غريب ويديه المرتعشتين، وعينيه الراقصتين، لنرقبه وهو يقرأ وكأنما هو ممثل يمثل في كل سطر يقرؤه فهو مقلد بطبيعته يمتاز بسخرية الشيطان وروح القديس.
هاهو ذا يقرأ علينا إحدى قصصه الفلسفية:"ابن الطبيعة"، وهي لا تختلف عن بعض كتب روسو التي كان فولتير قد رفضها فور وقوع نظره عليها. وقصة"ابن الطبيعة"إن هي إلا نقد ساخر لتظاهر الإنسان المتحضر وادعائه غير