فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 440

وفي عبارة أخرى فإن العالم على حقيقته يبعد كل البعد عن مشاهدتنا الحسية، لكنه في متناول إدراكنا العقلي، إذ أن في وسعنا أن نرى العالم ببصيرتنا الباطنية وندركه من غير استعانة بتجربتنا. والسؤال الذي يلقيه"كانت"هو هذا:"ما الذي في وسعنا أن نصنعه العقل إذا ما استبعدنا كل حصيلة التجربة ومعونتها؟"ويجيب عن هذا السؤال مؤكدًا أننا نأمل أن نستخدم عقلنا - أي تفكيرنا النظري - لا في مجرد استقبال انطباعاتنا الحية. وإنما لخلق الأفكار كذلك.

فعقلنا، إذن، ليس حزمة من المشاهدات التي تعتمد على"حواسنا"ولكنه أداة لمعرفة قائمة بذاتها قد انكشفت لنا عن طريق قوة"إدراكنا العقلي"."ولعل أنصع مثل يبين قدرتنا على التقدم بغير طريق التجربة هو مثل الرياضة". فمن اليقين المطلق أن اثنين واثنين تساوي أربعة دائما. مهما يكن ما نراه أو نسمعه مما يناقض ذلك.

وهكذا فإن العقل ليس مجمعا للفكر ولكنه منظم له. فهو ينظم العالم، مستعينا بمعرفته بالحقائق الرياضية وغيرها من الحقائق المطلقة، ويصوغها في وحدة مفهومة. والعقل يمكننا من تحويل الفوضى إلى نظام، والتجارب الجزافية إلى وحدة منسقة، والإدراكات الحسية الفردية إلى حكمة كلية. كما يمكننا من تلمس الطريق المؤدي من الحكمة البشرية إلى النور الإلهي.

فالحكمة البشرية، إذن، هي"التنظيم"- أي القدرة على استخدام الحقائق الأبدية لإدراك وتنسق الحادثات في مجرى الزمن، إذ تمكننا حكمتنا من أن نقلل من الاعتماد على حواسنا وتزيد من الاعتماد على عقلنا. فبينما تظهر لنا حواسنا عالمنا من الظواهر فإن عقلنا يوجههنا ويرشدنا إلى الحقيقة وراء تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت