فهرس الكتاب
ولكن ربما كانت هناك إجابة من نوع آخر تقوم على أساس من العاطفة الخالصة، هذه هي الإجابة التي ضمنها"كانت"في كتابه الثاني، نقد العقل العملي. فأما وقد أخفق في العثور على الله في عقله فإنه يحاول، كما حاول روسو، أن يجده في قلبه. ألا يكون في تحسيسنا الطريق إلى الصواب ما يشير إلى وجود الله؟ ألا يجوز أن يكون هناك مبدأ أخلاق مطلق كما أن للرياضة مبدأ مطلقًا؟ ويجيب"كانت"عن هذا السؤال بالإيجاب الذي يبعث على التفاؤل قائلا: إن المبدأ الأخلاقي فطري مولود مع الإنسان، شأنه في ذلك شأن المبدأ الرياضي. فهو سابق لتجربتنا المستمدة من حواسنا ومستقل عنها. وما هذا المبدأ الأخلاقي إلا أساس عقيدتنا الدينية، إذ هو صوت ضميرنا ومحور وجودنا.
فالسلوك الخير أمر مطلق يصدر من داخل نفوسنا. والشفقة المتبادلة أمر واجب، إذ أننا نشعر - شعورًا فطريًّا مولودًا مع ولادة أجسادنا - بأننا مرتبطون روحيًّا بعضنا ببعض. فنحن نعلم بفطرتنا أننا ينبغي أن نقوم بواجبنا. وهذا الإحساس المتبادل بالواجب، هذا الشعور الذي يجعل من العالم وحدة قوية مترابطة متسقة، لا يرشد عقولنا نحو موكب النجوم المتناسق فحسب، بل هو كذلك يلهم قلوبنا إلى السير في طريق المواءمة الصحيحة لسلوكنا في كل علاقاتنا الإنسانية.
"سماء مرصعة بالنجوم من فوقنا، وقانن أخلاق في أعماق نفوسنا"- هذان هما جانبا مبدأ واحد بعينه يؤدي بعقلنا وبعاطفتنا إلى تفهم أفضل للعالم. فالرياضيات الخاصة بالأجرام السماوية وأخلاقية وجودنا في الحياة الدنيا إن هما إلا