فهرس الكتاب
وهكذا إذا لم يكن في وسعنا أن نبني عقيدتنا على أساس العلم فإننا نستطيع أن نقيم بناءها على دعائم الأخلا. فإلزامنا الخلقي - وهو ما يسميه كانت"بالأمر المطلق"- يرشد ضميرنا إلى تمييز محدد بين الصواب والخطأ، وإلى قانون إلهي محدد يستهدف هداية سلوكنا الإنساني. ولا يقتصر هذا"الأمر المطلق"على أن يشير إلى وجود الله، بل يضيف إلى ذلك فعل الإرادة الحرة. لأنه من غير حرية إرادة، فإننا لا نستطيع أن ندرك الصواب والخطأ، ولا أن نشعر بواجب أخلاقي بعضنا نحو بعض. وأخيرًا فإن هذا الأمر المطلق برهان أيضًا على احتمال حياة بعد الموت. وذلك لأننا نتبع أوامر ضميرنا حتى ولو لم يؤد هذا إلى جزاء في هذه الحياة. ولماذا؟ لأننا نشعر، ومن ثم نعلم أن قصة حياتنا الحاضرة إن هي إلا فصل لم يكتمل في قصة أكبر، وأن الحبكة الروائية وإن بدت غير معقولة في هذه الحياة الدنيا، فستفض عقدتها وتصل إلى نتيجة منطقية في الحيا الآخرة. وما حياة الإنسان إلا سلسلة كاملة محبوكة من الأحداث يشد في نهايتها كل خيط سائب، ويستقيم كل معوج، ويتحقق كل رجاء معقول. فإن هذا هو ما قد قضى به القلب البشري أن يكون.
وهكذا إذا ما فحصنا عالم القلب الحقيقي، الذي يقابله عالم الحواس وعالم العقل الذي قوامه الوهم، وجدنا ثلاث حقائق هامة تبرز من ثنايا شكوكنا جميعها. وهذه الحقائق الثلاث هي: الله وحرية الإرادة، وخلود الروح.
رأينا كيف يتشكك كانت في الله في كتابه الأول"نقد العقل الخالص"، على حين أنه في كتابه الثاني"نقد العقل العملي"يثبت وجوده. أما في كتابه الثالث"نقد الحكم"فإنه يجده، ولكن أين يجده؟ في صورة الطبيعة