فهرس الكتاب
قال نيتشه إن التاريخ كله يسير مدفوعا بإرادة الظفر خلال قوة لا تعرف الرحمة. فالإرادة تقول:"هكذا أردت، وهكذا أريد .. لا تكن لينًا مع جارك"إن القسوة هي مبدأ الحياة الأول. فالحيوان يقاتل ليتطور إلى إنسان، والإنسان يجاهد ليتطور إلى إنسان أعلى. ولا يهدف كل مخلوق إلا إلى الارتفاع والصعود فوق أجساد إخوانه في البشرية. فإن عذاب الكثرة ضروري لانتصار القلة. ولا يمكن الحصول على هذا لنصر إلا عن طريق أعمال حربية عدوانية - هي القتال الذي يشنه الحيوان الأكبر على القطيع العادي، أو قل القتال بين الإنسان الأعلى (السوبرمان) ، وبين السواد"المهللهل المتهافت"من عامة الناس، إذ أن أنبل عمل في العالم هو شن الحروب."فيجب أن نعد الرجل للحرب والمرأة للترويح عن المحاربين. أما ما عدا ذلك فحمق وضلال". ويناضل نيتشه بقوله إن هذا الرأي ليس نقدا للدين، ولا هو تشهير بالأخلاق. وما هو إلا وصف للحقيقة صريح جاف - الذي هو تنازع الأبدي من أجل البقاء والغريزة التي لا تخمد او تموت سعيًا وراء القوة والسيطرة."وما هي الروح التي تبلغ أعلى درجات السمو؟ إنها الروح التي تبلغ أقصى درجات الأثرة .. فيجب أن يرتفع إلى الذرى أولئك الذين هم أقدر الناس على أن يجعلوا الآخرين موطئًا لأقدامهم .. هكذا قال زرادشت".
وتكرر"كلمات زرادشت"هذه، في صيغ مختلفة نوعا ما، خلال جميع كتب نيتشه الأخيرة. ولما كان لا يستطيع أن يواجه ضوء النهار بسبب حساسية عينيه البالغة، فقد اعتزل في حجرة فوق السطح وأسدل ستائرها. وفي هذا الجو القاتم المظلم ظل يخمر جرعة الشراب الذي وصفته له الساحرات في حلمه. ولم تكن غاية هذا الحلم إلا"هدم الأخلاق القديمة"و"بناء الفساد الجديد".