فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 440

روحك كأمين مكتبة أن تحتمل مثل هذا الإهمال في النظام والترتيب؟"فما كان من رفاقه في الدراسة إلا أن صاحوا جميعًا دفعة واحدة قائلين:"إن برجسون لا روح له!"."

ومن العجيب أنه ما إن تخرج في الكلية حتى بدأ يشك في شكوك نفسه، فقد قبل منصب مدرس الفلسفة بليسيه كليرمون - فران Clermont - Ferrand في مقاطعة أوفيرن الجميلة. وهنا أخذ يخرج في نزهات طويلة خلال الريف وتخلى شيئًا فشيئًا عن مذهب الشك العلمي. وفي أعماق قلبه، انتهى إلى أنه لم يكن قصبة قياس لا حياة فيها، وإنما هو مفكر حي، وبدأ يفقد الثقة بأنابيب اختبار المعمل، ومعادلات علماء الطبيعة والتعاريف الدقيقة التي يضعها الفلاسفة. وأخذ يسائل نفسه في دهشة كيف يمكن هذه الأشياء المادية في وقت ما أن تفسر الشيء الجوهري الوحيد الذي تحدى التفسير - ألا وهو معنى الوجود؟ كيف بدأت الحياة؟ كيف يمكن للفلسفة المادية أن تحل سر الشعور؟ وكيف يمكن أن يعزى جلال التلال في الأفق، وهي في تقديره الشخصي رائعة الجمال، إلى دوامة عشوائية من الذرات؟ وأية قوة آلية تلك التي كانت تبهره عندما يقع بصره على الشمس وهي تشرق فوق قمم الأشجار؟

ولم يكن تحول برجسون من شخص مادي إلى شخص مثالي ليتم في لحظة. ففي بادىء الأمر لم يستطع أن يفسر، حتى لنفسه، إلى أين كانت تقوده أفكاره، ولكنه بدأ يشعر شيئا فشيئا أن نوعا من"الإدراك الشاعري"الغريزي قد ملك عليه لبه، وكان دائم الضرب على"كل شعرة في جسمه وكل خلية في عقله". ثم ازداد اقتناعه أكثر فأكثر بأن العقل الآدمي ليس آلة بأية حال. ودلل على ذلك بتساؤله إذا كان من الممكن لخليط آلي من القوى الطبيعية أن ينتج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت