فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 440

في مذكراته يقول:"فطلبت من الأستاذ مخطوط الكتاب. وما إن انتهيت من قراءته ... حتى اشتعل عقلي حماسة ... وأصبحت أعتقد أن من حق التاريخ في زحفه وتقدمه أن يسحق الأفراد خدمة للجنس البشري".

ولكنه سرعان ما فقد غيرته السياسية على إنسانية مجردة يقابلها أفراد ذوو وجود متعين، وأضحى ثائرا على فكرة"قتل إنسان من أجل إطلاق سراحه". فالثورة العنيفة الدامية عنده أشبه ما تكون بالزلزال. فقد تعيد مؤقتا إصلاح الطبقة السطحية من الأرض، ولكن على حساب عدد ضخم من الضحايا الذين يعانون من العذاب ألوانا. ففلسفة كارل ماركس تقوم في رأيه على نظرية التخريب. أما الفلسفة التي كان ينشدها كروتشي ففلسفة تستهدف إنقاذ الحيوات البشرية، بدلا من أن تهدد بإبادتها.

وكانت النتيجة الطبيعية أن قر قراره على أن يضع فلسفة خاصة به. وكان القرن (التاسع عشر) يقترب من نهايته، فرأى كروتشي أن ذلك هو الوقت الملائم للقيام بمسح كامل لتاريخ الإنسان وأمانيه وعقائده وآماله.

وبادىء ذي بدء أعاد دراسة الماضي على ضوء الحاضر. وفي أثناء قراءاته أثارت اهتمامه نظرية أحد مواطنيه السابقين، وهو جيوفاني فيكو؛ إذ تقول نظريته إن التاريخ كله إن هو إلا تقدم لولبي. وكان فيكو قد ذهب إلى أن الإنسانية لا تتقدم إلى الأمام في خط مستقيم، وإنما تتحرك إلى أعلى، وكأنها تلتف في حركة لولبية حول جبل. وفي هذه الدائرة اللولبية من التقدم والتطور، لن يحدث أي ارتداد إلى نقطة البداية، بل نجد أن كل خطوة وكل دورة تعلو التي سبقتها، وهكذا لن يعيد التاريخ نفسه؛ إذ أن ما يبدو لنا أنه تكرار هو في الحقيقة نظرية جديدة إلى منظر طبيعي قديم، ونحن في موضع أكثر ارتفاعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت