فهرس الكتاب
والأدب والفلسفة والعلم والفن. كأنما هو يخطط لإعادة بناء مجتمع تصدع بنيانه بزلزال. فهذا الذي سبق أن دفن حيًّا تحت أنقاض أسخيا لم يكن ليخشى شيئًا من كوارث الطبيعة أو قسوة البشر. وبلغ الأمر أنه كلما سار مخترقًا شوارع نابولي، تهامس الناس بعضهم مع بعض - إذ لم تكن لديهم الجرأة على أن يفصحوا بصوت مرتفع عما تجيش به نفوسهم - وقالوا:"ها هو ذا البطل الذي يتحدى الدوتشي".
وكان بطل هذا التحدي رجلا يرى وسط القبح والشر جمالا وخيرًا يكمنان في باطن الأشياء. فطور هذه الفكرة الأساسية - التي أخذها من قبل عن أعلام الفلاسفة القدامى والمحدثين - في سلسلة من الكتب بلغت أكثر من خمسين كتابًا. كانت تضم بين دفاتها جمال الخير، وخير الجمال، والانسجام الذي ينسج جميع خيوط الكون المختلفة صانعًا منها للحقيقة نسيجًا مزركشًا. تلك الحقيقة التي يسهل إدراك فحواها: فالعالم واحد، والحياة كلها واحدة، والناس كلهم أعضاء في جسم البشرية الواحد.
ومع ذلك كله فلم يقصد كروتشي - كما ذكر في تواضع - بفلسفته أن تقيم نسقًا من الفكر المنظم، بل هي أقرب إلى أن تكون مجموعة متناثرة من الملاحظات العابرة.
وفي أحد كتبه الأولى"مادية كارل ماركس"أوضح أن النظرية الماركسية في الاقتصاد ليست فلسفة صحيحة ولا هي علم صحيح. فليس ميدان الاقتصاد، كما كان كارل ماركس يريدنا أن نعتقد، ساحة قتال بين الطبقات العليا والدهماء، بين أصحاب رؤوس المال والعمال، بين البائعين والمشترين، بين الأغنياء والفقراء. فهذا الميدان أهم بكثير من ذلك، إذ الاقتصاد نظرية للقيم الإنسانية، وصورة التاريخ