فهرس الكتاب

الصفحة 360 من 440

أيضا عن كل الأديان الكبرى الأخرى في العالم. نعم إن المسيحية في تقدمها، شأنها في ذلك شأن أي دين عظيم آخر قد اكتظت"بالخرافات والأساطير". ولكن بالرغم من كثرة هذه الزوائد، فقد احتفظت بحقيقتها الأصلية الأخلاقية. ولذلك فمن واجبنا أن نقدرها لما احتفظت به من نقاء، بدلا من أن نعيب عليها ما أصيبت به من فساد. ويذكرنا كروتشي في هذا المقام بقوله:"إننا نقرأ هومر، لا بحثا عما به من أخطاء، ولكن سعيا وراء ما فيه من حقائق".

إن القيمة الحقيقية للمسيحية، ولأي ديانة عظيمة أخرى، هي في كونها محور الثبات في دوامة عواطفنا الإنسانية، فليس لنا أن ننقدها بسبب طقوسها، ولكن علينا بالأحرى أن نكرمها لما فيها من صلاح، فحتى العلم والفلسفة لا يخلوان من أخطاء. وهل الطقوس الدينية خطأ كلها؟ إنها لا تخلو من تهذيب الإنسان وتدريبه على الخلق القويم، فللعقيدة الدينية - كائنة ما كانت - وظيفتها في المجتمع، مهما قيل عن طقوسها بعد ذلك.

وهكذا ترى رجال الكنيسة يحاولون المحافظة على نظم الماضي، في حين يحاول الفلاسفة والعلماء أن يبتكروا نظامًا أفضل للمستقبل. ولا تهدمن المنزل القديم قبل أن تنتهي من إقامة المنزل الجديد. فينبغي أن يقوم التفاهم - بدل الشحناء - بين حماة التقاليد ورواد التجديد، فيتساندون في طريق صعودنا في طريق التقدم.

وما هذا التآلف بين النظام والتقدم، بين الدين والفلسفة، بين التحمس القديم والسعي وراء الجديد، إلا جزء من التآلف العام الذي كان كروتشي يأمل أن يراه قائمًا في العلاقة الأخلاقية بين الإنسان وأخيه الإنسان. وقد كتب كروتشي سلسلة من المقالات تبحث في المواءمة بين الفرد ومطالب المدنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت