فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 440

الدينية منها والفلسفية، ومن الملاحظ أن الدين والفلاسفة يتحدث كلاهما نفس اللغة الأخلاقية: وهي أن توائم بين نفسك وبين عالم الحقيقة المنطقي، ولا تحيا في عالم غير منطقي من الأحلام المتقلبة. هل أصبحت بالخيبة، وأسيئت معاملتك، وأسند إليك عمل لا يلائمك؟ إذن فلا تستجر من رمضاء الشر المؤقت بنار الكره الدائم. وهل تظن أن سعاتدك هي في أن تشهد موت العدو الذي تخشاه؟ إذا كان الأمر كذلك، فأنت لم تهرب من عدوك. بل إنك لم تهرب حتى من مخاوفك الشخصية. وكل ما في الأمر أنك قد أضعت فرصتك لمواجهة العدو بشجاعة، بل لعلك لم تهيىء الفرصة لتهدي هذا العدو وتتخذ منه صديقا.

ولنأخذ مثلا آخر من الأخلاق العملية. فكل إنسان تحبه مقضي عليه بالموت. فهل ينبغي لك أن تحصن قلبك إزاء فقدك من تحب بأن تحد من محبتك إياهم؟ يجيب كروتشي عن هذا السؤل بالنفي. إذ أننا على النقيض من ذلك، نرى المحبة الحقيقية في عالمنا الواقعي هذا، نتقبل الألم والسرور سواء بسواء، لا .. بل إن أحدهما هو ما يقابل الآخر، كما يقابل الليل النهار، والشتاء الربيع. وما آلامنا ومعاناتنا إلا العوائق التي توضع في الطريق لرياضة نفوسنا."والسعادة الحقة لا نحصل عليها إلا إذا تعلمنا كيف نحب بروح تبلغ من السمو حدا نستطيع عنده أن نكون قادرين على الصمود في وجه الحزن واحتمال الأسى"- أو بمعنى آخر يكون في مقدورنا أن"نتخطى حدود الحب القديم ونضيف إليه كذلك حبًّا جديدً أعظم".

ألا إن الغاية من المحبة، والإخلاص، وكل المبادىء الأخلاقية، إن هي إلا تحصين للفرد ضد ضعفه الذاتي، وإعداده ليكون شخصية متوائمة مع حياة معقولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت