فهرس الكتاب
الروحية في تاريخ العالم. ولسبب غريب لا تفسير له يتخير الآلهة من وقت إلى آخر بقعة صغيرة على ظهر الأرض ويعمرونها بأبناء السماء. وهذا ما حدث في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد في عصر أسخيلوس ويوريبيدس وفيدياس وسقراط وأفلاطون؛ كما حدث في لندن في أثناء حكم إليزابيث، عهد بومونت وجونسون وفلتشر وبيكون وشكسبير؛ وفي ألمانيا خلال السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، عصر جوته وشيار وموازر وبيتهوفن وبرامز؛ وفي روسيا خلال الجزء الأخير من القرن التاسع عشر، جيل ترجنيف ودستويفسكي وتشيكوف وتشايكفسكي وتولستوي. ونلاحظ في كونوكورد أيام إمرسن ازدهارًا مشابهًا للروح الإنسانية، وإن كان بدرجة أقل نوعًا. وكان من بين خلصاء إمرسن الحميمين ناثنيال هوثورن،"ضمير أمريكا"، ومرجريت فُولر، الساحرة التي كانت تلعب بالأفكار كما يلعب الحاوي بالكرات الملونة، وبرُنسون ألكُت، النبي المتجول الذي جمع بين حكمة أفلاطون وحماسة"القديس فرانسيس"، وهنري ثورو، الشريد الورع الذي كان يبلغ دخله السنوي حوالي خمسة وعشرين دولارًا، لكن رأس ماله هو الحب الذي لا نهاية له،"و"العمة ماري"إمرسن، اللهيب الحي، التي كان يبلغ طولها أربع أقدام وثلاث بوصات، والتي كانت بردائها الأبيض وشالها القرمزي، تعدو على ظهر جوادها عبر حقول كونكورد، تلك"المغامِرة الفطنة"التي كانت تستطيع بذكائها وسرعة بديهتها أن تمزق أقنعة العنجهية التي كان يتقنع بها أرباب الحكمة في هارفارد."
وكان إمرسن يتبادل الآراء عن الجرذان، والناس، ومعنى الحياة مع جيرانه وأصدقائه في كونكورد ممن تتفق طباعهم وإياه. ثم لا يلبث أن يدخل إلى غرفة مكتبه ويسكُّ هذه الآراء في عملة ذهبية، هي محاضراته ومقالاته. وكان