فهرس الكتاب
إحدى النقاط. وحدث يوما أنه لم يكن معه إلا صورة صغيرة يسهل حملها، ففي بادىء الأمر أمسكها بإحدى يديه وأخذ يكتب باليد الأخرى. فلما وجد أن هذه الطريقة مربكة إلى حد ما، ركع على أرض القاعة وبدأ يكتب. ولكن حتى هذه المحاولة لم تكن ناجحة، ولذلك تمدد على معدته وظل يكتب ويحاضر تلاميذه الذين كانوا ينصتون إليه في استغراق تام، فلم تنفرج شفاههم حتى عن ابتسامة.
وقد أحبه طلبته إلى حد العبادة، لأنه كان يتحدث وإياهم حديث الند للند، حديث الرجل للرجل. فكانوا يسمونه"الجدع الصادق غير الزائف"الذي يدرسهم"مادة صادقة غير زائفة". وأمكنه أن يخرج بالفلسفة من حجرة الدراسة ويجعل منها مغامرة في طريق الحياة. وأكد أن كل واحد منا فيلسوف. فسواء عرفنا أم لم نعرف، فإنه يطلب إلينا على الدوام أن نتخذ قرارات في الأمور التي تخصنا. وهذه الضرورة التي تدفعنا لكي نتخذ قراراتنا بأنفسنا، و لكي نقف على أقدامنا بأنفسنا، هي التي تجعل منا جميعا فلاسفة.
وعلى ضوء هذه الحقيقة العامة، طور جيمس مذهبا من الفلسفة يمكن أن يعيننا في حل ما يحيرنا ويعرض لنا من مشكلات يومية. وأطلق على هذه الفلسفة اسم"البراجماتية Pragmatism"وهو مأخوذ من الأصل اليوناني Pragma وهي كلمة معناها"عمل"، ونعني بهذا المذهب الفلسفة القائمة على السلوك العملي. إنها فلسفة العمل - لا بمعناه الضيق الذي ينحصر في تبادل البضائع في الأسواق - وإنما بمعناه الواسع الذي يضم التفاهم الأمين والتعامل العادل في كل معاملاتنا البشرية.