فهرس الكتاب

الصفحة 396 من 440

أراد سانتيانا أن يقضي حياته في"حديث هادىء مع أعلام الماضي من ذوي الروح الفلسفية". ولكنه اضطر، بعد أن خدعه القدر، أن يعمل مدرسا وأن يقضي وقته متحدثا إلى طلابه. حتى إنه كتب في سنيه الأخيرة يقول:"لقد كنت أكره دائما أن أكون معلما". ومع ذلك فلم يكن أحد يرى أثرًا لذلك في محاضراته التي كانت تمتاز بالرصانة والهدوء. وقد كان من حسن الطالع لمؤلف هذا الكتاب أن يدرس على يدي سانتيانا في جامعة هارفارد. فهي تجربة لا تنسى؛ كان الفيلسوف الشاعر العالم يجلس على المنصة في قاعة إمرسن. ويداه الشاحبتان مضمومتان على مكتبه يعلوهما وجهه الشاحب، ولحيته المدببة السوداء تضفي على ملامحه مظهرا جميلا روحانيا عليه مسحة إغريقية، وقوة روحية تومض عن بعد من عينيه المتقدتين الإسبانيتين، وصوته مليء بالحكمة المنغمة ينزل على طلبته نزول البركة من السماء، وكان يتحدث بطلاقة ولكن في أناة وغير ما عجلة، وكأن الأبدية كلها بين يديه تفسح له المجال أن يلقي رسالته حرا من كل قيد زمني. وكان لكل كلمة مكانها الملائم في رسالته وكأنها جوهرة سليمة قد أحكم ترصيعها على أكمل وجه.

وأحيانا كان ينقد آراء الآخرين التي يراها خاطئة ولكنه لم يهبط ينقده ألبتة إلى مستوى القدح. فقد كانت حماقات الجنس البشري تسليه أكثر مما تغضبه.

وكان قليل الاهتمام بما يأخذ به المجتمع من أسباب الترفيه. فلم يتزوج قط، وكان يقضي معظم وقت فراغه في صحبة كتبه. ولم يكن أصدقاؤه الحميمون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت