فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 440

وهكذا عاش سانتيانا كل حياته وهو يقف من الله هذا الموقف الذي كان يتجرد فيه وإن يكن موقفا مشوبا بالود. فلم يكن ربا لأسرة، ولا متعصبا لوطن - وبعد سنة 1912، عندما استقال من منصبه في جامعة هارفارد - لم يعد كذلك معلما بمدرسة. وقبيل الحرب العالمية الأولى غادر أمريكا واتجه إلى أوروبا ليعيش هناك. ولم يكن هذا منه انسحابا إلى نصف الكرة الآخر فحسب، وإنما كان اعتزالا إلى عالم آخر - هو العالم القديم الذي كان يعتقد دائما أنه ينتمي إليه. واستقر به المقام في روما، فهناك كان يشعر"بأنه أقرب إلى الماضي من أي مكان آخر". واختط لنفسه في الحياة طريقا رتيبا هادئا، هو السير في خضم"الحاضر الكريه"وكأنه"روح مدخر ليوم أكثر إجلالا". فاستأجر جناحا متواضعا في أحد الفنادق.

وإذا ما اقترح بعضهم عليه أن يشتري لنفسه منزلا، أجاب قائلا:"إن الإنسان إذا امتلك شيئا أصبح عبدًا له". وكانت عاداته بسيطة هينة. فهو يقول في هذا الصدد:"لقد أخذت عن أبي كل صفاته وعاداته، فالولد سر أبيه". فحدث مرة أن سألته: لماذا يسافر دوما بالدرجة الثالثة؟ فما كان منه إلا أن أجاب بقوله: (لأنه ليس هناك درجة رابعة) .

وكان سانتيانا أرستقراطيا بسيطا وشاكا ورعا. فقد استقل بنفسه عن كنيسته استقلالا يكاد يكون تاما. وقد علق بقوله:"إن الجلوس على مقاعد الكنيسة سبب لي ألما في مستدق ظهري". ولكنه من جهة أخرى كثيرً ما كان يذهب إلى أطلال البنثيون (هيكل الآلهة) ليرى تماثيل الآلهة الأقدمين، وإلى سان بِيتْرو، ليمتع النظر بتمثال موسى الذي نحته اميكل أنجلو،"وهو أسمى وأعظم ما أنجز"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت