وما إن ترك بيته حتى أصبح مدرسا رحالا. ولنستمع إليه يقول:"أعيش الآن في الشمال والجنوب والشرق والغرب". أما المواد التي كان يدرسها فهي:"التاريخ والشعر وآداب اللباقة". ومثل بوذا حاول أن يتجنب الجدال مع المدرسين الآخرين."فلنبرز اتفاق وجهات نظرنا بدلا من مناقشة أوجه الخلاف بيننا. وكل ما يراه الجميع متشابها هو الصواب على الأرجح". وبرغم كل هذا فلم يصل تسامحه إلى حد يجعله يغضي على حماقة بعض تلاميذه أو تمردهم، وكان يؤمن باستخدام العصا لحث العطفل على العمل. وبالإضافة إلى ذلك كان من رأيه معاقبة آباء الأطفال المنحرفين، كما يعاقب الأطفال أنفسهم سواء بسواء. وفي إحدى المناسبات قبض على مراهق بتهمة السرقة، فما كان من كونفوشيوس إلا أن قدم نصيحته إلى القاضي بأن يرسل الأب والابن معًا إلى السجن،"فلو أن الأب قد ربى ابنه جيدا، لكان سلوك الابن جيدا أيضًا". وكان كونفوشيوس يؤمن بتكامل الأسرة ووحدتها كقاعدة لدولة عادلة قويمة. فالأمانة مثلها مثل البر والإحسان يجب أن تبدأ في البيت.
ومثل جميع أعلام الفلاسفة، كان كونفوشيوس يسبق عصره بمراحل، وكغالبية من يسبقون عصرهم كان يسب وينهر ويطرد من كثير من المدن والقرى، وكان الناس يرجمونه بالأحجار ردًّا على ما يحدثهم به من درر وذهب ويصيحون مع الحكام كذلك قائلين:"لسنا في حاجة إلى آرائه الهدامة". وما إن وصل بعد ذلك إلى وي حتى جعل منه الملك هدفًا لسخرية شنيعة. ثم اصطحب خليلته من الحاشية إلى نزهة في عربته الملكية وأصدر أمره بأن يركب كونفوشيوس في عربة نقل تتبعه مباشرة وتحمل لافتة ظاهرة للعيان كتب عليها:"انظروا إلى الفضيلة تجرها الشهوة وراءها".
ومع هذا فقد عثر كونفوشيوس في أماكن متفرقة على قلة عرفت فيه حكمة