فهرس الكتاب
الليل، فلما كان الفجر وجد جميع المدعويين أنفسهم تحت المائدة فيما عدا سقراط الذي طرح ثوبه على كتفيه وغادر القاعة التي أقيمت بها الوليمة، ثم خرج إلى قاعة الطريق ليعاود حواره اليومي مع تلاميذه.
وفي محاوراته العقلية الصريحة لم يكن يبقي على أحد. هل أنت معلم؟ هل انتصرت على جهلك قبل أن تحمل على جهل تلاميذك؟ هل أنت طبيب؟ هل شفيت نفسك لتثبت أن في وسعك أن تشفي مرضاك؟ هل أنت رجل سياسة؟ هل في استطاعتك أن تضبط مشاعرك وأنت تحاول أن تسيطر على مشاعر الآخرين؟ أجو أن تكونوا أقل كبرياء وأكثر تواضعا. تعلموا أن تعرفوا أنكم لا تعرفون إلا القليل.
وكان لاذع النقد بوجه خاص فيما يتعلق بنظام الديمقراطية الذي يتبعه الأثينيون، وهو انتخاب طغمة باغية على أيدي الغوغاء الجاهلة من أصحاب الأصوات.
ولم تكن نتيجة هذا النقد لصريح العلني لحكومته منه سوى سجنه وإعدامه؛ إذ اتهمه القادة السياسيون بالعمل على قلب نظام الحكم في الدولة، وإنكار الآلهة. وفي الحقيقة كان هو يحاول إصلاح حال الدولة عن طريق تربية أفضل، ومحو خرافة تعدد الآلهة، وإقامة دعائم دين الإله الواحد.
ومع هذا يجب علينا أن نتفهم من وجهوا إليه الاتهام قبل أن نحكم عليهم. فقد حاول سقراط نفسه أن يجادلهم بالحجة من غير أن يوجه إليه أي لوم غير لائق لحكمهم عليه بالإعدام. وشأنه في ذلك شأن شهيد آخر استشهد بعد انقضاء أربعة قرون، غفر لقضاته لأنهم لم يعرفوا ما كانوا يفعلون. إذ كان