فهرس الكتاب
أيها الرجال الأثينيون، إنني أبجلكم وأحبكم. ولكنني أطيع الله قبل أن أطيعكم. والله يأمرني أن ألقِّن مواطنيَّ الفلسفة، فإذا ما أطلقتم سراحي فإني مواصل إرشاد الناس وطاعة الله. وسأبلغ كل من أقابلهم أنه من العار أن نكدس الثروة بدلا من أن نكتسب الحكمة، لأن هذه هي الإرادة الإلهية التي أوحى بها إلي.
ولكن إذا كنتم تفضلون أن تحكموا بإعدامي بدلا من إطلاق سراحي، فإنكم بذلك تنزلون بأنفسكم، لا بي، ضررا جسيما، إذ أن القتل أكثر شرا من الموت. فرجائي إليكم أن توفروا على أنفسكم مغبة الوقوع في خطيئة إغضاب الله بقتلي. أما وقد بلغت من العمر سبعين عاما، فلم يبق لي في الدنيا على أية حال إلا وقت قصير. وليس من الأهمية بمكان إذا أنا قضيت الآن أم السنة التالية، ولكن للأمر أهميته العظمى إذا ما قر قراركم على إعدامي، أو أمسكتم عن هذا الإعدام.
ولذلك فإني أفوض أمري إليكم وإلى الله. وقبل أن تصدروا قراركم فإني أطالبكم بأن تراجعوا مصالحكم ومصلحتي على السواء"."
وما إن انتهى سقراط من دفاعه حتى اقترع المحلفون، وكانت النتيجة أنه مذنب يستحق الإعدام. وكان القانون يخول المتهم حق اقتراح العقوبة التي يرتضيها بدلا للعقوبة المطلوبة. وكان الأمر بين أيدي المحلفين يقرون أي العقوبتين تنزل بالمذنب: عقوبتهم أم عقوبته المقترحة.
فلما وقف سقراط ليقدم اقتراحه البديل، أبى حتى تلك اللحظة أن ينثني أو يلين، واستأنف كلامه قائلا:"لقد كرست حياتي لخدمتكم. ولما كنت رجلا أمينا إلى درجة لا أصلح معها أن أكون سياسيا، فقد آثرت أن أسلك"