قلت: إن كان المراد باستفاضته وتلقي عامة القراءة له بالقبول، أنه قد بلغهم وعلموه وتلقوه عن مشايخهم وإن لم يُقرئوا به، على عادة كثير منهم في الاختيار عند الإقراء ـ كما سيأتي تفصيله في الكلام على الاختيار ـ فإن هذا في حقيقته يرجع إلى المتواتر عند التأمل، إذ حقيقة التواتر تعدد الأسانيد والطرق حتى تبلغ الحد الذي يحصل به اليقين، ويستحيل فيه التواطؤ على الكذب، وقد سبَّقنا القول بأن القراء ينكرون على من روى شيئًا لم يبلغهم، ولم يُشتهر عند عامتهم ويمنعونه من الإقراء به، فإذا أقرَّ القارئ حرفًا وإن كان لم يُقرئ به، فمعناه أنه من مروياته التي سمعها، ويعتبر إقراره كروايته في ذلك، وإلا فلا قيمة لإقراره ولا لتلقيه لذلك الحرف بالقبولز
ثانيهما: بعض أوجه الأداء التي يصعب حصول التواتر على نقلها، ولا يُتصور وقوعه، كضبط مقادير المدود بالدقة المتناهية المقيسة بالحركات، فإن الاتفاق على ضبط ذلك بتلك الدقة المتناهية شيء فوق طاقة البشر، لذلك تجد الروايات مختلفة اختلافًا كبيرًا في مقدار مد المتصل، مع أن جميعهم مجمعون على وجوب مده، ومثل: الأوجه المروية في تقسيم وقف حمزة وهشام وأنواع التسهيل فيه، قال الجزري:"إنه وإن تواتر تخفيف الهمزة في الوقف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتواتر أنه وقف على موضع بخمسين وجهًا ولا بعشرين ولا بنحو ذلك، وإنما إن صحَّ شيء منها فوجه والباقي لا شك أنه من قبيل الأداء" (1) .
(1) المنجد (ص62) .