أما الحكمة فنصَّ عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبارة واضحة جليَّة، ذلك أنه أشفق على أمته، وأدركته رأفُته ورحمتُه اللتان جُبلت عليهما نفسه الكريمة، فاشتكى إلى ربه مما تلاقيه أمته من صعوبة في تعلُّم القرآن إذْ كان على حرف واحد، ذلك لأن ألسنتها تختلف ولهجاتها تتباين فحَمْلُهم على لسان واحد، وإخضاعُهم للهجةٍ واحدةٍ، وحصْرُهم في وجهٍ واحدٍ، يشق عليهم، خاصة أنهم أمة أميون بيانهم ولسانهم بالفطرة والجبلة والاعتياد، وليس بالقراءة ولا الكتابة، فهم لا يعرفونهما، لأنهم أمة صحراوية فطرية بعيدة عن وسائل الحضارة وأدوات المدنية، ومن كانت لغته بالفطرة والاعتياد يكون نقل الجبال أهون عليه من نقله عن لغته وزحزحته عن لهجته، وذلك أشد مشقة، وأكثر عناءً على طوائف مخصوصة من الأمة: العجوز، والشيخ الفاني، والصغار (الغلام، والجارية) ، والرجل الأمي (الذي لا يقرأ كتابًا قطُّ) ، فهؤلاء لا يتم تعليمهم بيسر وسهولة، ولا تتسنَّى لهم قراءة القرآن ولا يتمكنون من إتقانها في فترة وجيزة، بل يحتاجون إلى مكابدة ومعاناة، وهم خلال القراءة تزل ألسنتهم كثيرًا عن النطق الصحيح، وتنحرف إلى ما عتادوه من لهجاتهم.
قال صلى الله عليه وسلم:"يا جبريل إني بُعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قطٌ".