يناقض ما قرروه من الالتزام وعدم التدخل بالرأي والقياس في القراءة؟
إن كل قاريء من الأئمة العشرة وغيرهم، يأخذ الأحرف القرآنية من عدد من الشيوخ، ويحاول قدر جهده التلقي من أكبر عدد منهم، حتى إنه ليرحل في الأقطار، ويجوب الآفاق من أجل ذلك، لكنه عندما يبدأ الإقراء لا يُقرئ بكل ما سمع، بل هو يختار بعض مسموعاته فيقرئ به، ويترك بعضًا آخر فلا يُقرئ به، ومعنى هذا أن المقصود اختيار بعض المرويِّ دون بعض عند الإقراء، فيتبين من هذا أنه لا دخل للرأي أو القياس فيه، فإذا وجدْت أهل القراءة يقولون: هذا اختيار فلان، أو يوجهون بعض الأحرف المروية بأسلوب ظاهره إجراؤها على القياس، فلا يذهب ذهنك إلى أنهم يتدخلون في القراءة بقياس العربية أو استحسان الرأي، حاشاهم من ذلك وقد أجمعوا على منعه وحرمته.
فهذا أبو عمرو بن العلاء المازني البصري، (أحد أعلام القراءة، وأئمة اللغة الذين يُحتج فيها برأيهم واجتهادهم) يقول الأصمعي روايًا عنه:"سمعْت أبا عمرو يقول: لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قُرئ لقرأتُ حرف كذا كذا وحرف كذا كذا" (1) .
(1) ذكره ابن مجاتهد بإسناده في كتاب السبعة (ص83) .