الثانية: أن يكون عاميا لا يميز بين الدليل الراجح والمرجوح، ولا فرق عنده بين دلالات الأدلة فهذا لا يجوز له الاجتهاد البتة وإنما فرضه التقليد بسؤال أهل العلم، الذين أمر الله بسؤالهم ورد الاختلاف إليهم، فإذا ما اجتهد فقد ارتكب منكرا، وربما كبيرة، والله يقول: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون } .
الثالثة: أن يكون طالب علم يستطيع التمييز بين الأدلة وعنده شيء من علوم الآلة، فهو في مرتبة وسطى بين المرتبتين، وهذا الصنف مراتب قد يقرب بعضهم من وصف العامي فنوجب عليه التقليد، وقد يقرب من وصف الاجتهاد فنلزمه العمل بما ترجح لديه مما كانت دلالته ظاهرة، ورجحانه واضح، وما ليس كذلك فهو فيه عامي.
ومن هنا نقول إن من ألزمناه بالتقليد لا نخص شخصا بعينه يجب تقليده بل كل من توفرت فيه شروط الاجتهاد فهو مجتهد ويجوز تقليده فيما استفتي فيه.
والإمام الشوكاني وابن الأمير وغيرهم ممن بلغ رتبة الاجتهاد كغيرهم من المجتهدين الذي تنطبق عليهم هذه القاعدة.
أما بالنسبة لتقليد المعاصرين فنقول:
أمر الله المسلم بسؤال أهل العلم، وأهل العلم متوافرون في كل زمان، نعم قد يقلون في بعض الأزمنة أو الأمكنة إلا أنه لا يخلو زمان من قائم لله بحجة، أو من يبلغ شرع الله بعلم.
ولا يخلو العالم المعاصر من حالات ثلاث:
الأولى: أن يكون مجتهدا .
الثانية: أن يكون مقلدا.
الثالثة: أن يكون طالب علم وناقل فقه.
فإن تيسر للسائل سؤال المجتهد فهو الأصل أو الأولى، لأن المجتهد هو من يطلق عليه وصف العالم حقا، وهو من أهل الذكر -أي القرآن- الذي أمرنا الله بسؤاله، لأن المقلد ليس من أهل الذكر حقيقة، إذ إن أهل الذكر هم القادرون على الاستنباط منه، وهذا ليس للمقلد.