جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) لَمْ يُقَدِّرُوا حَدًّا أَعْلَى لِلْحَبْسِ بِقَصْدِ التَّعْزِيرِ، وَفَوَّضُوا ذَلِكَ إِلَى الْقَاضِي، فَيَحْكُمُ بِمَا يَرَاهُ مُنَاسِبًا لِحَال الْجَانِي؛ لأَِنَّ التَّعْزِيرَ - وَالْحَبْسُ فَرْعٌ مِنْهُ - مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ، فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي اسْتِدَامَةُ حَبْسِ مَنْ تَكَرَّرَتْ جَرَائِمُهُ وَأَصْحَابِ الْجَرَائِمِ الْخَطِيرَةِ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لِلزُّبَيْرِيِّ، وَقَدَّرَ أَكْثَرَ الْحَبْسِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَالْقَوْل الثَّانِي، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ: سَنَةٌ؛ تَشْبِيهًا لِلْحَبْسِ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ. وَالْقَوْل الثَّالِثُ لإِِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَافَقَ فِيهِ الْجُمْهُورَ فِي عَدَمِ تَحْدِيدِ أَكْثَرِ الْمُدَّةِ. وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الْعَمَل بِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْحَامِل عَلَى ذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ لاَ التَّشَهِّي وَالاِنْتِقَامُ. [1]
التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَبْسِ الْقَصِيرِ وَالْحَبْسِ الطَّوِيل:
مَيَّزَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْحَبْسِ الْقَصِيرِ وَالْحَبْسِ الطَّوِيل، فَسَمَّوْا مَا كَانَ أَقَل مِنْ سَنَةٍ قَصِيرًا، وَمَا كَانَ سَنَةً فَأَكْثَرَ طَوِيلاً. وَقَضَوْا عَلَى أَصْحَابِ الْجَرَائِمِ غَيْرِ الْخَطِيرَةِ بِالْحَبْسِ الْقَصِيرِ كَحَبْسِ شَاتِمِ جِيرَانِهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ. وَحَبْسِ تَارِكِ الصِّيَامِ مُدَّةَ شَهْرِ رَمَضَانَ [2] .وَقَضَوْا عَلَى أَصْحَابِ الْجَرَائِمِ الْخَطِيرَةِ وَمُعْتَادِي الإِْجْرَامِ بِالْحَبْسِ الطَّوِيل [3] .مِنْ مِثْل: حَبْسِ الزَّانِي الْبِكْرِ سَنَةً بَعْدَ حَدِّهِ. وَكَذَا مَنْ جَرَحَ غَيْرَهُ جِرَاحَةً لاَ يُسْتَطَاعُ فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ وَيُطَال حَبْسُهُ. وَقَدْ سَجَنَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَابِئَ بْنَ الْحَارِثِ التَّمِيمِيَّ حَتَّى مَاتَ فِي مَحْبِسِهِ وَكَانَ مِنْ شِرَارِ اللُّصُوصِ [4] .
إِبْهَامُ مُدَّةِ الْحَبْسِ:
(1) - الدر المختار 4/ 81 و 5/ 389، وحاشية ابن عابدين 4/ 67 و 76، وتبصرة الحكام 2/ 148 و 330، والإنصاف 11/ 217، وحاشية الجمل على شرح المنهج 5/ 164 - 165، والأحكام السلطانية للماوردي ص 165، وأسنى المطالب 4/ 162، وغياث الأمم لإمام الحرمين ص 226، ومعيد النعم للسبكي ص 23.
(2) - تبصر الحكام 1/ 266، والأحكام السلطانية للماوردي ص 222.
(3) - حاشية ابن عابدين 4/ 67، وتبصرة الحكام، ومعيد النعم ص 23، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 259.
(4) - الدر المختار وحاشيته 4/ 14، وحاشية القليوبي 4/ 181،وأقضية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ص: 10) والمرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا (ص: 207) وتبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (2/ 310) ومعين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام (ص: 197)