وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مِثْل قَوْل أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَجَازَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ لأَِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لأَِجْلِهِ جُوِّزَ ذَلِكَ قَبْل الْقِسْمَةِ، الْحَاجَةُ إِلَى تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ مِنْ عَذَابِهِمْ، وَهَذَا مَوْجُودٌ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، وَحَقُّ الْغَانِمِينَ فِي الاِسْتِرْقَاقِ ثَابِتٌ قَبْل الْقِسْمَةِ، وَقَدْ صَارَ الأَْسِيرُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْل دَارِنَا، ثُمَّ تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ لِهَذِهِ الْحَاجَةِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ.
وَقَدْ نَقَل الْحَطَّابُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ لَيْسَ فِيهِمْ إِلاَّ الاِسْتِرْقَاقُ، أَوِ الْمُفَادَاةُ بِالنُّفُوسِ دُونَ الْمَال.
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِيَ مَنْعُ مُفَادَاةِ الأَْسِيرِ بِالأَْسِيرِ، وَوَجْهُهُ: أَنَّ قَتْل الْمُشْرِكِينَ فَرْضٌ مُحْكَمٌ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْمُفَادَاةِ. [1]
وَلَوْ أَسْلَمَ الأَْسِيرُ لاَ يُفَادَى بِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، أَيْ لأَِنَّهُ فِدَاءُ مُسْلِمٍ بِمُسْلِمٍ، إِلاَّ إِذَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَهُوَ مَأْمُونٌ عَلَى إِسْلاَمِهِ [2]
وَيَجُوزُ مُفَادَاةُ الأَْكْثَرِ بِالأَْقَل وَالْعَكْسُ كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ، لَكِنْ فِي كُتُبِهِمْ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ، لاِسْتِدْلاَلِهِمْ بِالأَْحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى لَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْ أَسَرَانَا، وَيُؤْخَذُ بَدَلَهُ أَسِيرَانِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. [3]
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَضَعَ الْجِزْيَةَ فِي رِقَابِ الأَْسْرَى مِنْ أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا ذِمَّةً لَنَا، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ إِجَابَتُهُمْ إِلَى ذَلِكَ إِذَا سَأَلُوهُ، كَمَا يَجِبُ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ فِي غَيْرِ أَسْرٍ. [4]
(1) - المبسوط 10/ 139،140،والبدائع 2/ 120،وتبيين الحقائق 3/ 249،والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2/ 184،ومواهب الجليل 3/ 359،والمغني 8/ 449 ط ثالثة.
(2) - تبيين الحقائق 3/ 249،والبحر الرائق 5/ 90،والمغني 10/ 403.
(3) - الإقناع 2/ 253،والمغني 10/ 401،ومطالب أولي النهى 2/ 251،والبدائع 7/ 121.
وترى اللجنة أن ذلك ينبغي أن يكون الرأي فيه للإمام (العادل) حسب المصلحة (الشرعية) .
(4) - المهذب 2/ 236.