فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ أَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ مِنَ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا الإِْمَامُ وَالْوَالِي لاَ الْقَاضِي؛ إِذْ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَ أَحَدًا إِلاَّ بِحَقٍّ وَجَبَ. [1]
الْقَوْل الثَّانِي: لِلْوَالِي وَلِلْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَا بِتُهَمَةٍ، وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَأَحْمَدَ وَمُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ، وَذَكَرَهُ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ. وَاسْتَدَل هَؤُلاَءِ بِأَنَّ عُمُومَ الْوِلاَيَاتِ وَخُصُوصَهَا وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلاَيَةِ رَاجِعٌ إِلَى الأَْلْفَاظِ وَالأَْحْوَال وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، فَقَدْ يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الأَْزْمِنَةِ وَالأَْمْكِنَةِ مَا يَدْخُل فِي وِلاَيَةِ الْحَرْبِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ آخَرَ وَبِالْعَكْسِ [2] .
لاَ حَدَّ لأَِقَل مُدَّةِ الْحَبْسِ. أَمَّا أَكْثَرُهُ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَال الْمُتَّهَمِ، وَقَدْ نَسَبَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذَا الْقَوْل إِلَى مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَحْمَدَ وَمُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُطَال سِجْنُ مَجْهُول الْحَال، وَالْحَبْسُ الطَّوِيل عِنْدَهُمْ مَا زَادَ عَلَى سَنَةٍ. [3]
وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِنَّ أَكْثَرَ مُدَّةٍ يُحْبَسُ فِيهَا الْمُتَّهَمُ الْمَجْهُول الْحَال يَوْمٌ وَاحِدٌ. وَحَدَّدَهَا قَوْمٌ بِيَوْمَيْنِ وَثَلاَثَةٍ، وَأَجَازَ آخَرُونَ بُلُوغَهَا شَهْرًا. [4]
أَمَّا الْمُتَّهَمُ الْمَعْرُوفُ بِالْفُجُورِ وَالْفَسَادِ فَأَكْثَرُ مُدَّةِ حَبْسِهِ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ ظُهُورُ حَالِهِ وَالْكَشْفُ عَنْهُ، وَلَوْ حُبِسَ حَتَّى الْمَوْتِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي مَذَاهِبِ فُقَهَاءِ الأَْمْصَارِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَنُقِل هَذَا أَيْضًا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُطَرِّفٍ
(1) - الأحكام السلطانية للماوردي ص 219، والطرق الحكمية ص 103، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 258، وتبصرة الحكام 2/ 141 - 142.
(2) - تبصرة الحكام 2/ 141 - 142، والمعيار 2/ 434، والطرق الحكمية ص 102 و 239، والفتاوى لابن تيمية 35/ 397، وحاشية ابن عابدين 4/ 15 و 76 و 88.
(3) - معين الحكام ص 20 و 176، والأحكام للماوردي ص 220، والأحكام لأبي يعلى ص 258، وفتاوى ابن تيمية 35/ 397، وحاشية ابن عابدين 4/ 88، وتبصرة الحكام 1/ 266، 2/ 159.
(4) - حاشية ابن عابدين 4/ 88، والمعيار 2/ 316، ومعالم القربة لابن الأخوة ص 191 - 192، وتبصرة الحكام 2/ 147 و 156، والمغني لابن قدامة 9/ 328.