قلت: لا يتوفر في السجانين اليوم سوى هذه الصفة وما سواها غير موجود، كما قال تعالى عن ملائكة العذاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «لَا تَمْلَئُوا أَعْيُنَكُمْ مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ إِلَّا بِإِنْكَارٍ مِنْ قُلُوبِكُمْ لِكَيْ لَا تُحْبَطَ أَعْمَالُكُمُ الصَّالِحَةُ» [1]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَذِيُّ: لَمَّا حَبَسُوا أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فِي السِّجْنِ جَاءَهُ السَّجَّانُ, فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ فِي الظَّلَمَةِ وَأَعْوَانِهِمْ صَحِيحٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ السَّجَّانُ: فَأَنَا مِنْ أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ؟ قَالَ لَهُ: أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ مَنْ يَأْخُذُ شَعْرَكَ وَيَغْسِلُ ثَوْبَكَ وَيُصْلِحُ طَعَامَكَ وَيَبِيعُ وَيَشْتَرِي مِنْكَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَمِنْ أَنْفُسِهِمْ. [2]
"وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: أَعْوَانُ الظَّلَمَةِ مَنْ أَعَانَهُمْ وَلَوْ أَنَّهُ لَاقَ لَهُمْ دَوَاةً أَوْ بَرَى لَهُمْ قَلَمًا وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقُولُ: بَلْ مَنْ يَغْسِلُ ثِيَابَهُمْ مِنْ أَعْوَانِهِمْ. وَأَعْوَانُهُمْ: هُمْ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ. فَإِنَّ الْمُعِينَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ، وَالْمُعِينَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ" [3]
ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَتَبُّعُ الْمَحْبُوسِينَ وَالنَّظَرُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَلَلٍ وَلاَ تَقْصِيرٍ وَاتِّبَاعُ الْعَدْل مَعَهُمْ وَعَدَمُ الاِعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ. وَالْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّل عَمَلٍ يَبْدَؤُهُ الْقَاضِي - حِينَ تَوَلِّيهِ الْقَضَاءَ - النَّظَرُ فِي السُّجُونِ وَالْبَحْثُ فِي أَحْوَال الْمَحْبُوسِينَ. بَل ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى
(1) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 170) و (8/ 57)
(2) - سير السلف الصالحين لإسماعيل بن محمد الأصبهاني (ص: 1059)
(3) - مجموع الفتاوى (7/ 64)