فمتى مرَّ بك خبر عن الله، وعمَّا يستحقه من الكمال، وما يتنزَّه عنه من النقص، فأَثْبِتْ جميع ذلك المعنى الكامل الذي أثبته لنفسه، ونزِّهه عن كل ما نزَّه نفسه عنه. وكذلك إذا أخبر عن رسله، وكتبه، واليوم الآخر، وعن جميع الأمور السابقة واللاحقة، جزمت جزماً لا شك فيه أنه حق على حقيقته، بل هو أعلى أنواع الحق والصدق {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً} [النساء: 122] و {حَدِيثًا} [النساء: 87] .
وإذا أمر بشيء نظرت إلى معناه، وما يدخل فيه وما لا يدخل، وأن ذلك موجه إلى جميع الأمة. وكذلك في النهي؛ ولهذا كانت معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله أصل الخير والفلاح، والجهل بذلك أصل الشر والجفاء. فمراعاة هذه القاعدة أكبر عون على معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، والقرآن قد جمع أجلّ المعاني وأنفعها وأصدقها بأوضح الألفاظ وأحسنها، كما قال تعالى: {وَلاَ يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا *} [الفرقان: 33] يوضح ذلك ويبينه وينهج طريقه:
القاعدة الثالثة:
الألف واللام الداخلة على الأوصاف، وأسماء الأجناس،
تفيد الاستغراق بحسب ما دخلت عليه.
وقد نص على ذلك أهل الأصول، وأهل العربية، واتفق على اعتبار ذلك أهل العلم والإيمان.
فمثل قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} إلى قوله: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] أدخل في هذه الأوصاف كل ما تناوله من معاني الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق، إلى آخرها. وأن بكمال هذه الأوصاف يكمل لصاحبها ما رُتِّب عليها من المغفرة والأجر العظيم، وبنقصانها ينقص، وبعدمها يُفقد. وهكذا كل وصف رُتِّب عليه خير وأجر وثواب، وكذلك ما يقابل ذلك: كل وصف نهى الله عنه، ورتب عليه وعلى المتَّصِف به عقوبة، وشراً، ونقصاً، يكون له من ذلك بحسب ما قام به من الوصف المذكور.