وأما قول الخليل وإسماعيل عليهما السلام وهما يرفعان القواعد من البيت: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] فإنه توسل إلى الله بهذين الاسمين إلى قبول هذا العمل الجليل؛ حيث كان الله يعلم
نياتهما ومقاصدهما، ويسمع كلامهما، ويجيب دعاءهما؛ فإنه يُراد بالسميع في مقام الدعاء ـ دعاء العبادة، ودعاء المسألة ـ معنى المستجيب، كما قال الخليل في الآية الأخرى: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] .
وأما خَتْم قوله: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ} [البقرة: 129] بقوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] أي: فكما أن بعثتك لهذا الرسول فيه الرحمة السابغة، ففيه تمام عزة الله، وكمال حكمته، فإنه ليس من حكمته أن يترك الخلق سُداً ـ عبثاً ـ لا يرسل إليهم رسولاً، فحقق الله حكمته ببعثته لئلا يكون للناس على الله حجة. والأمور كلها ـ قدرِيُّها وشرعيُّها ـ لا تقوم إلا بعزة الله ونفوذ حكمه.
وقد يكتفي الله بذكر أسمائه الحسنى عن التصريح بذكر أحكامها، وجزائها؛ لينبه عباده أنهم إذا عرفوا الله بذلك الاسم العظيم عرفوا ما يترتب عليه من الأحكام، مثل قوله تعالى: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} [البقرة: 209] لم يقل: فلكم من العقوبة كذا، بل قال: {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 209] أي: فإذا عرفتم عزته (وهو قهره، وغلبته، وقوته، وامتناعه) ، وعرفتم حكمته (وهو وضعه الأشياء مواضعها، وتنزيلها مَحَالّها) ، أوجب لكم الخوف من البقاء على ذنوبكم وزللكم؛ لأن من حكمته معاقبة من يستحق العقوبة ـ وهو المصرُّ على الذنب مع علمه ـ وأنه ليس لكم امتناع عليه، ولا خروج عن حكمه وجزائه؛ لكمال قهره وعزته.