هذا أصلٌ عظيمٌ، جميعُ رُخصِ الشريعةِ وتخفيفاتِها متفرعةٌ عنه، قال الله تعالى: +يُرِيدُاللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185] ، وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] ، وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا} [الطلاق:7] ، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] ، وقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] .
فهذه الآياتُ، وغيرُها دليلٌ على هذا الأصلِ الكبير. فأولا: جميعُ الشريعة حنيفيةٌ سمحة، حنيفيةٌ في التوحيد؛ لأن مبناها على عبادة الله وحده لا شريك له، سمحة في الأحكام والأعمالِ، فالصلواتُ المفروضاتُ خمسٌ في اليوم والليلة، لا تستغرقُ من وقت العبدِ إلا جزءًا يسيرًا. والزكاةُ لا تجبُ إلا في الأموالِ المتموَّلة إذا بلغت نِصابًا. وهي جزء يسيرٌ جدا في العام مَرة. وكذلك؛ صيامُ رمضان شهر واحد من جميع العام، والحج لا يجب إلا في العمر مرةً واحدةً على المستطيع. وبقيةُ الواجبات عوارضُ بحسَب أسبابها، وكلُّها في غايةِ اليُسر والسهولة.
وقد شرع اللهُ لكثير منها أسبابا تُعينُ عليها وتُنشِّطُ علة فعلها، كما شرع الاجتماعَ في الصلواتِ الخمس، والجمعةِ، والعيدينِ، وكذلك الصيام يجتمعُ فيه المؤمنون في شهرٍ واحد لا يتخلفُ منهم إلا معذورٌ بمرضٍ أو سفرٍ، أو غيرِهما، وكذلك الحج. ولا شك أنّ الاجتماع يُزيلُ مشقةَ العباداتِ، وينشّطُ العاملينَ، ويُوجبُ التنافسَ في أفعالِ الخيرٍ، كما جعلَ اللهُ الثوابَ العاجلَ والآجلَ الذي لا يُقادرُهُ قدْرَه أكبرَ مُعينٍ على فعل الخيرات، وعلى ترك المنهيات. وكذلك جعل الله الزواجرَ الدنيويةَ والأخرويةَ مُعينةً على التقوى وعلى تركِ المحرمات. قال تعالى: +ذَلِكَيُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:16] .