والفرقُ بين البابين: أن المعاوضاتِ يُشترطُ فيها: تحريرُ المَبيع، والعلم به وبمنافعِه، وصفاته من كل وجه. وباب التبرعات أوسعُ منه، لا يُشترطُ فيه التحرير؛ لأنه ينتقل إلى المتبرَّع إليه مجانا؛ فلا يضر جَهَالةُ بعض المنافع.
مثال الأول: مَن باع دارًا أو دكّانًا، واستثنى سُكناها مُدّة معلومة، أو باع بهيمة واستثنى ظهرَها إلى محلٍّ معيَّن، أو باع سلاحا، أو آنيةً واستثنى الانتفاعَ بها مدة معلومة، أو باع كتابا وشرط أن ينتفعَ به مدة معلومة. فكل ذلك جائز.
فإن كانت مجهولةً لم يَجُز لما فيه من الغرر.
ومثال الثاني: لو وَقَّفَ عقارا واستثنى الانتفاع به مدة معلومة، أو مدةَ حياته، أو أعتق رقيقا واستثنى خدمته له أو لغيرٍه مدةً معلومة، أو مدّةَ حياته؛ فهو: جائز. مع أنّ مدة حياته مجهولة. [1]
القاعدةُ الثالثةُ والأربعون: مَن قبَضَ العَيْنَ لحَظِّ نفسه لم يُقبل قولُه في الرّدِّ إلا ببيِّنة. فغن قَبَضها لحظِّ مالِكها قُبِل. [2]
وذلك لأنه إذا قبَضَها لحظِّ مالكِها فهو مُحسن محض. وما على المحسنين من سبيل، ولكن يُقيَّدُ ذلك: إذا ادّعى رَدَّه للذي ائتمن
فالمُودَعُ، والوكيلُ والوصِيُّ، وناظرُ الوقف، ووليُّ اليتيم إذا كان ذلك منهم بغير عوَض إذا ادّعَوْا الرَّدَّ قَبِلَ قولُهم.
وأما من قبَض العَيْنَ لحظِّ نفسِه كالمرتَهِن والأجيرُ، ومنهم المذكورون إذا كانوا بِعِوض؛ لأنهم يكونون أُجراء، فإذا ادّعى أحدٌ من هؤلاء الرّدَّ لم يُقبَل قولُه إلا ببيّنة؛ لأنه يَدَّعي خلافَ الأصل.
القاعدةُ الرابعةُ والأربعون: إذا أدّى ما عليه وجَبَ له ما جُعِلَ له عليه. [3]
(1) - وانظر مشكورا: القاعدة الثانية والثالثة والعشرون 22و23. (ص) .
(2) - انظر: إيضاح الدلائل في الفرق بين المسائل للزَّرِيراني الحنبلي (1/ 436) . (أ)
(3) - المعتمد في فقه الإمام أحمد (1/ 522) . (أ)