وقال الفراء: استثناء (قليل) مما في {أَذَاعُوا} أوضح وأبين معنى؛ لأنهم لا يجتمعون في الإذاعة كما يجتمعون في الاستنباط ومعرفة الخبر المظهر لهم. هذا معنى قوله. ولفظه أنه يقول: الاستثناء من {أَذَاعُوا} أجود لوجهين: لأن علم السرايا إذا ظهر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، فلذلك استحببت الاستثناء من الإذاعة؛ لأنه جعل القليل المستثنى البليد الذي لا يعلم ما يخبر به.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا ممن (عصم) الله.
قال ابن الأنباري: قال أصحاب هذا القول: الذين وقع عليهم الاستثناء هم الذين اهتدوا بعقولهم لترك عبادة الأوثان والإشراك بالله عز وجل وأقاموا على التوحيد بغير رسول ولا كتاب، نحو زيد بن عمرو بن نفيل ورقة بن نوفل، وطلاب الدين. قال: والقولان الأولان
(أثبت) من هذا القول؛ لأن ورقة وزيدًا وغيرهما ممن ثبته بفضل الله ورحمته أدرك الدين (أدرك) فنعمة الله لازمة له.
ونصر الزجاج هذا القول الثالث، وأجاب عن ترجيح ابن الأنباري القولين الأولين، فقال: قبل أن ينزل القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبل أن يُبعث قد كان في الناس القليل ممن لم يشاهد القرآن ولا النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمنًا، فإن قال قائل: إن من كان قبل ذلك مؤمنًا فبفضل الله ورحمته آمن، قيل: إن المقصود بالفضل والرحمة في هذا الموضع النبي - صلى الله عليه وسلم - والقرآن، وإيمان هؤلاء القليل كان قبلهما.
فيصح الاستثناء إذا خصصت الفضل والرحمة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - والقرآن.
هذا الذي ذكرنا في هذا الآية قول أكثر المفسرين.