لقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع. وكلمة"تولوا"هنا لها معنى كبير ، فلم يقل الحق: إن أعينهم تفيض من الدمع من غير التولي ، هم لا يدمعون أمام النبي ، ولكنهم يدمعون في حالة توليهم ، وهذا انفعال نفسي من فرط التأثر ؛ لأنهم لا يشتركون في القتال.
وكلمة"تفيض"تدل على أن الدمع قد غلب على العين كلها ، فهم لا يصطنعون ذلك ، لكن الانفعال يغمرهم ؛ لأن الذي يتصنع ذلك يقوم بتعصير عينيه ويبذل جهداً للمُراءاة ، ولكن انفعال المؤمنين الذين لا يقاتلون يغلبهم فتفيض أعينهم من الدمع.
وهناك آية أخرى حدد فيها الحق الحالات التي لا يطالب فيها المؤمن بالقتال:
{لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [الفتح: 17] .
هؤلاء - إذن - هم أولو الضرر.
{لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} وما داموا لا يستوون فمن الذي فيهم يكون هو الأفضل ؟.
ذلك ما توضحه بقية الآية التي تحمل المقولة الإيمانية الواضحة: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} . وسبحانه وعد الاثنين بالحسنى الإيمانية ؛ لأن كُلاًّ منهما مؤمن ، ولكن للمجاهد درجة على القاعد. وإن تساءل أحد: ولماذا وعد الله القاعد من أولى الضرر بالحسنى ؟ وهنا أقول: علينا أن ننتبه وأن نحسن الفهم والتدبر عندما نقرأ القرآن ؛ لأن الذي أصابته آفة فناله منها ضرر ، فصبر لحكم الله في نفسه ، ألا يأخذ ثواباً على هذه ؟.