والجنة - كما قلنا من قبل - على إطلاقها تنصرف إلى جنة الآخرة فهي الجنة بحق ، أما جنة الدنيا فمن الممكن أن يتصوّحَ نباتها وشجرها وييبس ويتناثر ، أو يصيبها الجدب ، أمّا جنة الآخرة فهي ذات الأكل الدائم ، وإن لم تطلق كلمة"الجنة"من أي قيد أو وصف بل قيدت ، فالقصد منها معنى آخرح كقول الحق:
{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ} [القلم: 17]
وقوله سبحانه:
{كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ} [البقرة: 265]
والجنة بربوة هي البستان على مكان عال ، وهي ذات مواصفات أعلى مما وصل إليه العلم الحديث ؛ لأن الأرض إذا كانت عالية لا تستطيع المياه الجوفية أن تفسد جذور النبات المزروع في هذه الأرض ، فيظل النبات أخضر اللون ، ويقول الحق عن مثل هذه الجنة:
{فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} [البقرة: 265]
ويزيد على ذلك أنها بربوة ، وأنها تروى بالمطر من أعلى ، ومن الطل ، فتأخذ الرّي من المطر للجذور ، والطل لغسل الأوراق. كل ذلك يطلق على الجنة.
وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} ويطمئننا سبحانه على احتفاظها بنضرتها وخضرتها ، وأول شيء يمنع الخضرة هو أن يقل الماء فتذبل الخضرة.
ونجد القرآن مرة يقول: {جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} وهذا يعني أن منبع المياه بعيد. ومرة أخرى يقول: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} ويعني أن منبع المياه لن يحجزه أحد ؛ لأن الأنهار تجري وتنبع من تحتها.
ويعد الحق المؤمنين أصحاب العمل الصالح بالخلود في الجنة ، والخلود هو المكث طويلاً ، فإذا قال الحق: {خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} أي أن المكث في الجنة ينتقل من المكث طويلاً إلى المكث الدائم.