فهرس الكتاب
وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَعْدَهُ بِالصِّدْقِ وَالْحَقِّ فِي هَذِهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ خَبَرِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , عَنْ قَوْلِ الشَّيْطَانِ الَّذِي قَصَّهُ فِي قَوْلِهِ , وَقَالَ: {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} وَلَكِنَّ اللَّهَ يَعِدُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَعْدًا مِنْهُ حَقًّا , لَا كَوَعْدِ الشَّيْطَانِ الَّذِي وَصَفَ صِفَتَهُ. فوَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْوَعْدَيْنِ وَالْوَاعِدِينَ وَأَخْبَرَ بِحُكْمِ أَهْلِ كُلِّ وَعْدٍ مِنْهُمَا تَنْبِيهًا مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقَهُ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحُتُهُمْ وَخَلَاصُهُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ وَالْعَطَبِ , لِيَنْزَجِرُوا عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَيَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ , فَيَفُوزُوا بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي جِنَانِهِ مِنْ ثَوَابِهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}
يَقُولُ:"وَمَنْ أَصْدَقُ أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا: أَيْ لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ قِيلًا , فَكَيْفَ تَتْرُكُونَ الْعَمَلَ بِمَا وَعَدَكُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ رَبُّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَتَكْفُرُونَ بِهِ , وَتُخَالِفُونَ أَمْرَهُ , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنْ لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ قِيلًا , وَتَعْمَلُونَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ , رَجَاءً لِإِدْرَاكِ مَا يَعِدُكُمْ مِنْ عِدَاتِهِ الْكَاذِبَةِ وَأَمَانِيِّهِ الْبَاطِلَةِ , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ عِدَاتَهُ غُرُورٌ لَا صِحَّةَ لَهَا وَلَا حَقِيقَةَ , وَتَتَّخِذُونَهُ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَتَتْرُكُونَ أَنْ تُطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْهُ , فَتَكُونُوا لَهُ أَوْلِيَاءَ؟ وَمَعْنَى الْقِيلِ وَالْقَوْلِ وَاحِدٌ."
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) }