ولماذا كان المنافقون في الدرك الأسفل في الهاوية من العذاب؛ قد أجاب عن ذلك العلماء بأن المنافق أوغل في فساد النفس من أي مشرك كافر، وقد جعل الله تعالى لآل فرعون الذين مالئوه وعاونوه في طغيانه أشد العذاب، فقال سبحانه: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) .
وأولئك في كفرهم ونفاقهم أكثر إيذاء من أي كافر سواهم، ذلك أنهم جمعوا بين الكفر، والفسق والتضليل والتغرير والكذب، وتعرُّف أسرار المؤمنين وكشفها، وإظهار عورات المسلمين في الحروب، وإفساد لجماعة المؤمنين بإشاعة قول السوء بين المؤمنين، واستغلال ضعف الضعفاء منهم، وتوهين أمر المؤمنين بسبب ذلك الاستقلال، كل هذه جرائم متتابعة تدل على أن نفوسهم قد فسدت، وقلوبهم قد شغرت من كل خير، والكافر الجاحد أقرب إلى الهداية من هؤلاء، فكان عقابهم أشد؛ لأن جرائمهم أشد.
ولكن من هو المنافق الذي يستحق أشد العقاب، ويكون في أعمق النيران يوم القيامة؟ نقول في الجواب عن ذلك إنه المنافق الخالص الذي لم يكن فيه خصلة أو أكثر من خصلة فقط، ولكن هو الذي كفر بالله وبالرسالة المحمدية، وأغلق باب الإيمان في قلبه، ولم يكتف بذلك بل أظهر الإسلام ليفسد بين المسلمين ويتعرف أسرارهم.
ذلك أن النفاق درجات هذا أعلاها، وهو أشد الكفر، ودونه بعد ذلك مراتب تكون بين المسلمين، ولا تخرج المسلم عن إسلامه، وإن كانت تجعل إيمانه ضعيفا، ومن ذلك ممالأة الحكام، والسكوت عن كلمة الحق مع النطق بالباطل ملقا، وخداعا.
وقيل لابن عمر - رضي الله عنهما:"ندخل على السلطان، ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه، فقال - رضي الله عنه: (كنا نعده من النفاق) ."