فتبين من ذلك أن الاستغفار لا يستلزم أن يكون على ذنب، وكذلك اعتراف العبد بأنه مذنب هذا من مناقبه، فقد اعترف آدم - عليه السلام - بقوله: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) } [الأعراف: 23] فعد ذلك من مناقبه.
وكذلك موسى - عليه السلام - اعترف بالذنب - وإن لم يكن له ذنب - فعد هذا من مناقبه، ولذلك لما طلب المغفرة قال الله - عز وجل: {فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: 16] .
وعلى النقيض من ذلك لم يعترف إبليس وعاند ربه فكانت العاقبة أن طرد من رحمة الله - عز وجل - وأصبح من الخالدين في النار.
الثالث: وأما عن قولهم: إن موسى - عليه السلام - نسب الضلال إلى نفسه حيث قال: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) } [الشعراء: 20] .
والجواب على ذلك كما يلي:
إن الضلال هنا ليس من الضلال في الدين، وإنما تأتي هذه الكلمة ويراد بها عدة معان (1) ؛ منها:
المعنى الأول: الضلال بمعنى: الجهل.
الضالين بمعنى: الجاهلين.
قال الطبري: والعرب تضع من الضلال موضع الجهل، والجهل موضع الضلال، فتقول: قد جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى واحد.
والجهالة هنا على أنواع:
1 -من الجاهلين، يعني: عن النبوة، ولم يأتني عن الله فيه شيء، فليس عليّ فيما فعلته في تلك الحالة توبيخ.
قال الطبري: يقول - تعالى ذكره: قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التي فعلت؛ أي: قتلت تلك النفس التي قتلت إذن وأنا من الضالين، يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله عليّ.
2 -من الجاهلين أي: أن ذلك يؤدي إلى قتله.
والمراد بذلك: الذاهلين عن معرفة ما يؤول إليه من القتل؛ لأنه فَعَلَ الوكزةَ على وجه التأديب، ومثل ذلك ربما حَسُنَ وإن أدى إلى القتل فبين له أنه فعله على وجه لا يجوز معه أن يؤاخذ به أو يعد منه كافرًا أو كافرًا لنعمه. ومعنى ذلك أنه فعل ذلك جاهلًا به غير متعمد إياه وفي معنى ما ذكر ما روي عن ابن زيد من أن المعنى وأنا من الجاهلين بأن وكزتي تأتي على نفسه.