روى أبو نعيم عن وهب بن منبه قال: لا يكون البطال من الحكماء، ولا يرث الزناة من ملكوت السماء.
ثم إنَّه ليس كل حكيم يخرج من عهدة العمل بمقتضى الحكمة إلا أن حكمته تظهر وعليها النور بقدر عمله بها وإخلاصه فيها وفيه وصدقه فيهما.
وقد روى ابن جهضم عن حسين القزاز قال: أربعة أشياء عزيزة في الخلق؛ عالم مستعمل لعلمه، وحكيم ينطق عن فعله، وواعظ ليس له طمع، ومتعبد ليس له علاقة.
وروى ابن النجار في"تاريخه"عن المهاجر بن حبيب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الله تَعَالَى يَقُوْلُ: إِنِّي لَسْتُ عَلَى كُلِّ كَلامِ الْحَكِيْمِ أُقْبِلُ، وَلَكِن أُقْبِلُ عَلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فيِ مَا يُحِبُّ اللهُ وَيرْضَى، جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا للهِ وَوَقَارًا وإنْ لَمْ يتكلَّمْ".
وروى ابن جهضم عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: إن الله يحب العالم المتواضع، ويبغض العالم الجبار، ومن تواضع لله أورثه الله الحكمة.
يُشير إلى أن التكبر حجاب لقلوب العلماء عن الحكمة والنطق بها.
ويدلُّ عليه قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [سورة الأعراف: 146] الآية.
وروى أبو الشيخ في"الثواب"عن أبي بريدة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"تَوَاضَعُوْا لِمَنْ تَعَلَّمُوْنَ مِنْهُ، وَتَوَاضَعُوْا لِمَنْ تُعَلِّمُوْن، وَلا تَكُوْنُوْا مِنْ جَبَابِرَةِ العُلَمَاءِ يَغْلِبُ جَهْلُكُم عِلْمَكُم".
وأين الحكمة مع غلبة الجهل، وإنما يغلب الجهل على العالم إذا تكبر أو تجبر، وكذلك إذا عاشر من لا تليق به عشرته من المبتدعة والفسقة.
كما السلمي في"طبقاته"عن فضيل بن عياض رحمه الله قال: من جلس مع صاحب بدعة لم يُؤتَ الحكمة.
ومن هنا كان أبعد الناس عن الحكمة والنطق بها الملوك لتجبرهم وكثرة مخالطتهم للفساق، فتجدهم بما هم عليه عن الحكمة معرضين، ولها غير متعرضين.