فما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا ، وما أنزل الكتاب إلا ليحكم بين الناس بالقسط ، كما جاء في الآيات الأخرى. وكلهم أوتي الحكمة وأوتي النبوة.. وأولئك هم الذين وكلهم الله بدينه ، يحملونه إلى الناس ، ويقومون عليه ، ويؤمنون به ويحفظونه.. فإذا كفر بالكتاب والحكم والنبوة مشركو العرب: {هؤلاء} فإن دين الله غني عنهم ؛ وهؤلاء الرهط الكرام والمؤمنون بهم هم حسب هذا الدين!.. إنها حقيقة قديمة امتدت شجرتها ، وموكب موصول تماسكت حلقاته ؛ ودعوة واحدة حملها رسول بعد رسول ؛ وآمن بها ويؤمن من يقسم الله له الهداية ؛ بما يعلمه من استحقاقه للهداية!.. وهو تقرير يسكب الطمأنينة في قلب المؤمن ، وفي قلوب العصبة المسلمة - أياً كان عددها - إن هذه العصبة ليست وحدها. ليست مقطوعة من شجرة! إنها فرع منبثق من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء ، وحلقة في موكب جليل موصول ، موصولة أسبابه بالله وهداه.. إن المؤمن الفرد ، في أي أرض وفي أي جيل ، قوي قوي ، وكبير كبير ، إنه من تلك الشجرة المتينة السامقة الضاربة الجذور في أعماق الفطرة البشرية وفي أعماق التاريخ الإنساني ، وعضو من ذلك الموكب الكريم الموصول بالله وهداه منذ أقدم العصور.
{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده. قل: لا أسألكم عليه أجراً. إن هو إلا ذكرى للعالمين} ..
وهو التقرير الثالث.. فهؤلاء الرهط الكرام الذين يقودون موكب الإيمان ، هم الذين هداهم الله. وهداهم الذي جاءهم من الله فيه القدوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن به. فهذا الهدى وحده هو الذي يسير عليه. وهذا الهدى وحده هو الذي يحتكم إليه ، وهذا الهدى وحده هو الذي يدعو إليه ويبشر به.. قائلاً لمن يدعوهم:
{لا أسألكم عليه أجراً} .. {إن هو إلا ذكرى للعالمين} .. للعالمين.. لا يختص به قوم ولا جنس ولا قريب ولا بعيد.. إنه هدى الله لتذكير البشر كافة. ومن ثم فلا أجر عليه يتقاضاه. وإنما أجره على الله!