وأما أهل التفسير فإنهم يقولون في هذا: (إن نفس المؤمن [تنشط] في الخروج للقاء ربه، ونفس الكافر [تكره] ذلك، ويشق عليها الخروج؛ لأنها تصير إلى أشد العذاب كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من أراد لقاء الله أراد الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، وذلك يكون عند نزع الروح، وقد بُيّن ذلك في هذا الخبر، فهؤلاء الكفار [تُكرههم] الملائكة على نزع الروح ويقولون لهم: أخرجوا أنفسكم كرهًا) .
والوجه الثاني الذي ذكره أبو إسحاق قال: (وجائز أن يكون المعنى: خلصوا أنفسكم، أي: لستم تقدرون على الخلاص) ، ومعنى هذا الكلام أنهم يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من العذاب على جهة التوبيخ، وهذا قول الحسن، وجائز أن يكون هذا القول منهم للكفار في نار جهنم، وقد غشيتهم شدائد هي كغمرات الموت، والملائكة يقولون لهم على جهة التوبيخ: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} من هذا العذاب، وجواب (لو) هنا مضمر، أي: لرأيت عجبًا أو لرأيت أمرًا فظيعًا.
وقوله تعالى: {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ} ، الْهُونِ: هَوَان الشيء الحقير الهين، قال الله تعالى: {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ} [النحل: 59] وقال ذو الإصبع:
أَذْهبْ إلَيْكَ فَمَا أُمِّي بِرَاعِيَةٍ ... تَرْعَى المَخَاضَ وَلاَ أُغْضِي عَلَى الهُونِ
وقالت الخنساء:
تُهينُ النُّفُوسَ وَهوْنُ النُّفُوسِ ... يَوْمَ الكَرِيهَةِ أَبْقَى لَهَا
تريد: وإهانة النفوس، قال الزجاج: ( {عَذَابَ الْهُونِ} أي: العذاب الذي يقع به الهوان الشديد) ، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد: الهوان والخزي) ، وقوله تعالى: {بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} قال: (يريد: تزعمون أن الملائكة بناته: {وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} يريد: عن فرائضه والسجود له لا تصلون، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من سجد لله سجدة بنية صادقة فقد برئ من الكبر".