{وقال شركاؤهم: ما كنتم إيانا تعبدون. فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} ..
هؤلاء هم الشركاء الذين كانوا يعبدون. هؤلاء هم ضعاف يطلبون البراءة من إثم أتباعهم. ويجعلون الله وحده شهيداً ، ويطلبون النجاة من إثم لم يشاركوا فيه!
عندئذ ، وفي هذا الموقف المكشوف ، تختبر كل نفس ما أسلفت من عمل ، وتدرك عاقبته إدراك الخبرة والتجربة:
{هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت} ..
وهنالك يتكشف الموقف عن رب واحد حق يرجع إليه الجميع ، وما عداه باطل:
{وردوا إلى الله مولاهم الحق} ..
وهنالك لا يجد المشركون شيئاً من دعاويهم ومزاعمهم وآلهتهم ، فكله شرد عنهم ولم يعد له وجود:
{وضل عنهم ما كانوا يفترون} ..
وهكذا يتجلى المشهد الحي ، في ساحة الحشر ، بكل حقائقه ، وبكل وقائعه ، وبكل مؤثراته واستجاباته. تعرضه تلك الكلمات القلائل ، فتبلغ من النفس ما لا يبلغه الإخبار المجرد ، ولا براهين الجدل الطويل!
ومن جولة الحشر الذي تسقط فيه الدعاوى والأباطيل ، ويتجلى فيه أن المولى هو الله المهيمن على الموقف وما فيه. إلى جولة في واقعهم الذي يعيشون فيه ، وإلى أنفسهم التي يعلمونها ، وإلى المشاهد التي يرونها في الحياة. بل إلى اعترافهم هم أنفسهم بأنها من أمر الله ومن خلق الله:
{قل: من يرزقكم من السماء والأرض؟ أم من يملك السمع والأبصار؟ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي؟ ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون: الله. فقل: أفلا تتقون؟ فذلكم الله ربكم الحق ، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ فأنى تصرفون؟} ..
ولقد مر أن مشركي العرب لم يكونوا ينكرون وجود الله ، ولا أنه الخالق ، والرازق ، والمدبر. إنما كانوا يتخذون الشركاء للزلفى ، أو يعتقدون أن لهم قدرة إلى جانب قدرة الله. فهو هنا يأخذهم بما يعتقدونه هم أنفسهم ، ليصحح لهم - عن طريق إيقاظ وعيهم وتدبرهم ومنطقهم الفطري - ذلك الخلط والضلال.