فهرس الكتاب
بمثل هذا الانصراف عن الحق الواضح الذي يعترف المشركون بمقدماته وينكرون نتائجة اللازمة ، ولا يقومون بمقتضياته الواجبة ، قدر الله في سننه ونواميسه أن الذين يفسقون وينحرفون عن منطق الفطرة السليم وسنة الخلق الماضية لا يؤمنون:
{كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} ..
لا لأنه يمنعهم من الإيمان. فهذه دلائله قائمة في الكون ، وهذه مقدماته قائمة في اعتقادهم. ولكن لأنهم هم يحيدون عن الطريق الموصل إلى الإيمان ، ويجحدون المقدمات التي في أيديهم ، ويصرفون أنفسهم عن الدلائل المشهودة لهم ، ويعطلون منطق الفطرة القويم فيهم.
ثم عودة إلى مظاهر قدرة الله ، وهل للشركاء فيها من نصيب.
{قل: هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ قل: الله يبدأ الخلق ثم يعيده. فأنى تؤفكون؟ قل: هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل: الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدِّي إلا أن يهدى؟ فما لكم؟ كيف تحكمون؟} ..
وهذه الأمور المسؤول عنها - من إعادة الخلق وهدايتهم إلى الحق - ليست من بدائه مشاهداتهم ولا من مسلمات اعتقاداتهم كالأولى. ولكنه يوجه إليهم فيها السؤال ارتكاناً على مسلماتهم الأولى ، فهي من مقتضياتها بشيء من التفكر والتدبر. ثم لا يطلب إليهم الجواب ، إنما يقرره لهم اعتماداً على وضوح النتائج بعد تسليمهم بالمقدمات.
{قل: هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟} ..
وهم مسلمون بأن الله هو الذي يبدأ الخلق غير مسلمين بإعادته ، ولا بالبعث والنشور والحساب والجزاء.. ولكن حكمة الخالق المدبر لا تكمل بمجرد بدء الخلق ؛ ثم انتهاء حياة المخلوقين في هذه الأرض ، ولم يبلغوا الكمال المقدر لهم ، ولم يلقوا جزاء إحسانهم وإساءتهم ، وسيرهم على النهج أو انحرافهم عنه.