فالعقيدة في الله واحدة ، والدعوة إلى الخير واحدة. ولكن صورة هذا الخير فيها تفصيل ، والتشريع الذي يحققه فيه تفصيل ، يناسب نمو البشرية وقتها ، وتطورات البشرية بعدها ، بعد أن بلغت سن الرشد فخوطبت بالقرآن خطاب الراشدين ، ولم تخاطب بالخوارق المادية التي لا سبيل فيها للعقل والتفكير.
{لا ريب فيه ، من رب العالمين} ..
تقرير وتوكيد لنفي جواز افترائه عن طريق إثبات مصدره: {من رب العالمين} ..
{أم يقولون افتراه؟} .
بعد هذا النفي والتقرير ، فهو إذان من صنع محمد ، ومحمد بشر ينطق باللغة التي ينطقون بها ، ولا يملك من حروفها إلا ما يملكون. (ألف. لام. ميم) .. (ألف. لام. را.) .. (ألف. لام. ميم. صاد) ... الخ. فدونهم إذن - ومعهم من يستطيعون جمعهم - فليفتروا ، كما افترى (زعمهم) محمد. فليفتروا سورة واحدة لا قرآناً كاملاً:
{قل: فأتوا بسورة مثله ، وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين} ..
وقد ثبت هذا التحدي ؛ وثبت العجز عنه ، وما يزال ثابتاً ولن يزال. والذين يدركون بلاغة هذه اللغة ، ويتذوقون الجمال الفني والتناسق فيها ، يدركون أن هذا النسق من القول لا يستطيعه إنسان. وكذلك الذين يدرسون النظم الاجتماعية ، والأصول التشريعية ، ويدرسون النظام الذي جاء به هذا القرآن ، يدركون أن النظرة فيه إلى تنظيم الجماعة الإنسانية ومقتضيات حياتها من جميع جوانبها ، والفرص المدخرة فيه لمواجهة الأطوار والتقلبات في يسر ومرونة.. كل أولئك أكبر من أن يحيط به عقل بشري واحد ، أو مجموعة العقول في جيل واحد أو في جميع الأجيال. ومثلهم الذين يدرسون النفس الإنسانية ووسائل الأصول إلى التأثير فيها وتوجيهها ثم يدرسون وسائل القرآن وأساليبه..
فليس هو إعجاز اللفظ والتعبير وأسلوب الأداء وحده ، ولكنه الاعجاز المطلق الذي يلمسه الخبراء في هذا وفي النظم والتشريعات والنفسيات وما إليها..