فهرس الكتاب
ويمضي السياق يستعرض حال بعضهم من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهم يستمعون إليه بآذانهم وقلوبهم مغلقة. وينظرون إليه بعيونهم وبصيرتهم مطموسة ، فلا يئوبون من السمع والنظر بشيء ، ولا يهتدون إلى الطريق:
{ومنهم من يستمعون إليك. أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون؟ ومنهم من ينظر إليك. أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون؟} ..
إن هؤلاء الخلائق الذين يستمعون ولا يعقلون ما سمعوا ، وينظرون ولا يميزون ما نظروا.. إن هؤلاء لكثير ، في كل زمان وفي كل مكان.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لهم شيئاً. لأن حواسهم وجوارحهم مطموسة الاتصال بعقولهم وقلوبهم ، فكأنها معطلة لا تؤدي حقيقة وظيفتها. والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يسمع الصم ، ولا يبصر العمي. فذلك من شأن الله وحده عز وجل. والله سن سنة وترك الخلق لمقتضى السنة. وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ليهتدوا بها ؛ فإذا هم عطلوها حقت عليهم سنته التي لا تتخلف ولا تحابي ، ولقوا جزاءهم عدلاً ، ولم يظلمهم الله شيئاً:
{إن الله لا يظلم الناس شيئاً ، ولكن الناس أنفسهم يظلمون} ..
وفي هذه الآيات الأخيرة تسرية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما يجده في نفسه من ضيق بهذا التكذيب لما معه من الحق ، وبهذا العناد الصفيق بعد تكرار البيان والإعلام ، وذلك بما يقرره له ربه من أن إباءهم الهدى لم يكن عن تقصير منه في الجهد. ولا قصور فيما معه من الحق. ولكن هؤلاء كالصم العمي. وما يفتح الآذان والعيون إلا الله. فهو شأن خارج عن طبيعة الدعوة والداعية داخل في اختصاص الله.
وفيها كذلك تحديد حاسم لطبيعة العبودية ومجالها - حتى ولو تمثلت في شخص رسول الله. فهو عبد من عباد الله لا قدرة له خارج مجال العبودية. والأمر كله لله.