فهرس الكتاب
فإن المسيح وأمته محالون في الأحكام عليها، والإنجيل مكمل لها، متمم لمحاسنها، وغالبه مواعظ وزهد وأخلاق وحض على الإحسان والاحتمال والصفح، ثم جاء القرآن الكريم جامعاً لمحاسن الكتابين كما قال سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] .
والشريعة التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم الشرائع وأكملها، فظهور نبوته تصديق لنبواتهم، وشهادة لها بالصدق كما قال سبحانه عنه: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ
الْمُرْسَلِينَ (37) [الصافات: 37] .
فالرسل قبله بشروا به، وأخبروا بمجيئه، فمجيئه هو نفس صدق خبرهم، وعادة الله في رسله أن السابق يبشر باللاحق، واللاحق يصدق السابق كما قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) } [الصف: 6] .
وموسى - صلى الله عليه وسلم - اصطنعه الله لنفسه، وخصه بكلامه، وكان موسى - صلى الله عليه وسلم - من أعظم خلق الله هيئة ووقاراً، وأشدهم بأساً وغضباً لله، وبطشاً بأعداء الله، وكان لا يستطاع النظر إليه.
وموسى - صلى الله عليه وسلم - كان في مظهر الجلال، ولهذا كانت شريعته شريعة جلال وقهر.
فأمته أمروا بقتل نفوسهم، وحرمت عليهم الشحوم وذوات الظفر وغيرها من الطيبات، وحرمت عليهم الغنائم، وعجل لهم من العقوبات ما عجل، وحملوا من الآصار والأغلال ما لم يحمله غيرهم.