وعجل الله سبحانه إعلان نجاة نوح والمؤمنين معه؛ لأن نوحاً والمؤمنين معه كانوا يواجهون خطر التحدي للكثرة الكافرة، فلم تكن النصرة مجرد إهلاك هذه الكثرة، بل كان قبلها نجاة القلة المؤمنة من جميع الأخطار، واستخلافها في الأرض تعيد تعميرها، وتجديد الحياة فيها على منهج الله فترة من الزمان.
هذه سنة الله في الأرض، وهذا وعده لأوليائه، ووعد الله آت لا محالة بنصر أوليائه وخذلان أعدائه.
وقد تتوافر القوة لمن لا يحكمون شريعة الله في قلوبهم ولا في مجتمعهم، ولكنها قوة إلى حين، حتى تنتهي الأمور إلى نهايتها الطبيعية وفق سنة الله، وتتحطم هذه القوة التي لم تستند إلى أساس ركين، إنما استندت إلى جانب واحد من السنن الكونية كالعمل والنظام ووفرة الإنتاج.
وهذه وحدها لا تدوم؛ لأن فساد الحياة بالكفر والمنكرات والفواحش يقضي عليها بعد حين حتماً، فإذا تميزت الأمة المسلمة بدينها عن الأمة الكافرة، وتمايز الفريقان ووقف جند الرحمن أمام جند الشيطان، كانت قوة الله مع المؤمنين، والقوة الهزيلة مع المخلوقين.
فيحق وعد الله بنصر رسله وأوليائه مع أعدائه مع قلتهم وقلة عددهم، وكثرة عدوهم وكثرة أسلحتهم فـ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) } [البقرة: 249] .
وهود - صلى الله عليه وسلم - أرسله الله إلى قومه عاد، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له فقال: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) } [هود: 50] .
فأبوا وأصروا على كفرهم، واغتروا بما هم عليه من النعيم، وما وهبهم الله من القوة والبطش والغلظة: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) } [هود: 53] .
وبعد هذا لم يبق لهود إلا التحدي وإلا التوجه إلى الله وحده، والاعتماد عليه وحده، وإلا الوعيد والإنذار الأخير للمكذبين الظالمين، فماذا قال لهم؟ وبأي شيء واجه قوتهم؟.